لم يكن الاجتماع الذي عقدته لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين النيابية برئاسة النائب فادي علامة اجتماعًا روتينيًا لمراجعة موازنة أو مناقشة عجز تقني، فبحضور سفير دولة فلسطين في لبنان ومديرة شؤون الأونروا في لبنان دوروثي كلاوس ورئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني السفير رامي دمشقية، بدا واضحًا أن النقاش يتجاوز حدود الأرقام إلى ما هو أعمق: تداعيات تقليص تمويل الأونروا على الداخل اللبناني.
علامة شدد خلال الاجتماع على أن الأونروا أُنشئت بموجب القرار الدولي 302 ولا يمكن إنهاؤها أو استبدالها إلا بقرار دولي مماثل، وهذا التذكير القانوني لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا بل تثبيتًا لإطار دولي ملزم في مواجهة أي محاولات التفاف أو تقليص تدريجي للدور.
أرقام صادمة وانكماش ديموغرافي مقلق
المعطيات التي عُرضت خلال الاجتماع تعكس تحوّلًا لافتًا.. فعدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فعليًا في لبنان تراجع إلى نحو 230 ألفًا بعدما كان يقارب نصف مليون والهجرة المستمرة قلّصت الأعداد لكن من بقي هم الأكثر هشاشة واعتمادًا على خدمات الوكالة.
وفي المقابل تستمر الأونروا في تشغيل نحو 3500 موظف في لبنان وتدير 61 مدرسة تضم 35 ألف تلميذ، إضافة إلى 26 مركزًا صحيًا تخدم قرابة 200 ألف لاجئ، وأي خفض إضافي في التمويل لا يعني مجرد تقليص بنود بل اهتزاز منظومة تعليمية وصحية كاملة.
110 ملايين دولار و20% اقتطاع
الموازنة السنوية للأونروا في لبنان تبلغ 110 ملايين دولار وقد طاولها خفض بنسبة 20%، وهذا يعني أن نصيب ما يُنفق على اللاجئ لا يتجاوز 600 دولار سنويًا، أي نحو 50 دولارًا شهريًا.
وهذا الرقم لا يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية في بلد يعيش انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق وتضخمًا حادًا، وأي اقتطاع إضافي سيتحوّل فورًا إلى ضغط في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على المخيمات.
بين البعد الإنساني والهاجس الأمني
التحذير الذي صدر خلال الاجتماع لم يكن إنسانيًا فقط، بل أمنيًا أيضًا.. فالفراغ في الخدمات داخل المخيمات لا يبقى محصورًا داخل حدودها بل ينعكس سريعًا على محيطها، والاستقرار الهش في لبنان لا يحتمل صدمات إضافية خصوصًا في بيئة تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة.
من هنا تحوّل دعم الأونروا من قضية تضامن سياسي إلى مصلحة لبنانية داخلية.. والرسالة التي خرج بها الاجتماع واضحة بأن تقليص التمويل لا يمسّ اللاجئين وحدهم بل يمسّ التوازن الاجتماعي والأمني في البلد.
على حافة اختبار جديد
الأزمة اليوم لم تعد رقمًا في موازنة ولا بندًا قابلًا للتأجيل.. فحين تتقلص الموارد في بيئة اجتماعية هشّة، وحين تُضغط الخدمات في مخيمات تعيش أصلًا على الحد الأدنى فإن المسألة لا تبقى إنسانية فقط، بل تتحول إلى مسألة استقرار عام.
ولبنان الذي يواجه انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق لا يملك ترف امتصاص صدمة إضافية، والمجتمع الدولي الذي يراجع مساهماته المالية لا يمكنه التعامل مع الملف اللبناني بمنطق المحاسبة الباردة وحدها.. وبالتالي فكل دولار يُقتطع قد يترجم توترًا، وكل خدمة تُلغى قد تتحول احتقانًا.
دعم الأونروا في لبنان لم يعد شعارًا سياسيًا، بل عنصرًا من عناصر التوازن الداخلي. وأي تقليص جديد في التمويل لن يكون مجرد إجراء تقشفي، بل خطوة تضع الجميع أمام اختبار حقيقي: إما تحمّل المسؤولية الآن، أو مواجهة تداعيات أكبر لاحقًا.