|

جدل الموداليتي يعكس صراعاً حول الحقوق وجودة التعليم في مدارس الأونروا

تتجه الأنظار في الأوساط الفلسطينية في لبنان إلى النقاشات المتصاعدة حول آلية الدوام المقترحة في مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا في ظل أزمة مالية مزمنة وتوتر متكرر بين الإدارة واتحاد المعلمين. وبين خيارَي الأربعة أيام والخمسة أيام، لا يبدو الخلاف تقنياً بقدر ما يعكس صراعاً أوسع حول أولويات المرحلة التي تطرح أسئة ما إذا كانت ستُقدَّم الاعتبارات الإدارية والمالية أم ستُصان جودة التعليم وحقوق العاملين والطلبة معاً؟

صيغة غير متوازنة أم حل عملي؟

الناشط الفلسطيني الأستاذ ماهر طوية صرح لموقع صدى الشتات أنه يرى أن الطرح المتداول والقائم على أربعة أيام دوام للمعلمين مقابل خمسة أيام للطلبة لا يحقق التوازن المطلوب داخل المدرسة، معتبراً أن هذه الصيغة تمنح أفضلية لمصلحة المعلم من زاوية تخفيف العبء، لكنها في المقابل تضع ضغطاً إضافياً على انتظام العملية التعليمية وإدارة المدرسة.

ويؤكد طوية أن الصيغة الأكثر عدالة برأيه هي اعتماد نظام الأربعة أيام مقابل أربعة أيام باعتباره خياراً يوزّع الأعباء بصورة متكافئة ويحفظ هيبة النظام المدرسي من دون خلق فجوة بين إيقاع عمل المعلم وإيقاع حضور الطالب.

وفي قراءته لخلفيات الإصرار على خيار الخمسة أيام، يشير طوية إلى أن مديرة إقليم لبنان في الأونروا دوروثي كلاوس تسعى إلى تثبيت هذا النموذج أسوة بأقاليم أخرى اعتمدته، ويربط ذلك باعتبارات تتجاوز السياق المحلي في ظل ما يصفه بحرص إداري على عدم تسجيل إخفاق في تطبيق النظام مقارنة بأقاليم أخرى، الأمر الذي قد تكون له انعكاسات على المسار المهني داخل الوكالة.

مخاوف من تراجع الجودة التعليمية

الناشط إبراهيم مرعي يذهب أبعد في توصيفه، معتبراً أن آلية الدوام المطروحة قد تؤدي إلى إضعاف العملية التعليمية فعلياً إذا لم تُبنَ على أساس مصلحة التلاميذ أولاً.. وبرغم إقراره بحق المعلمين في تخفيف الأعباء يرى أن أي صيغة لا تضع الطالب في قلب المعادلة ستكون قصيرة الأمد.

ويؤكد مرعي لصدى أن اعتماد دوام الأربعة أيام للجميع يشكل حلاً متوازناً يراعي حقوق المعلمين والمديرين والطلاب في آن، مستغرباً تمسك الإدارة بخيار الخمسة أيام حتى لو أفضى ذلك إلى ضغوط إضافية على البنية التربوية.

وتتقاطع هذه المخاوف مع واقع قائم أصلاً في عدد من المدارس حيث يعتمد نظام الدوام المزدوج، وتُقلَّص مدة الحصص، وتواجه بعض الأبنية تحديات لوجستية ما يجعل أي تعديل في عدد أيام الدوام مسألة تتصل مباشرة بجودة التعليم وليس فقط بتنظيم الوقت.

انتقادات لأداء الإعلام الداخلي

في موازاة الجدل التربوي، يبرز بُعد آخر يتعلق بإدارة الخطاب الإعلامي داخل الوكالة..

فقد وجّه عدنان الرفاعي أمين سر لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان انتقادات لآلية عمل وحدة الإعلام بعد التغييرات التي طالتها في عهد الإدارة الحالية. ويرى الرفاعي أن إعادة هيكلة القسم واستقدام كوادر جديدة لم ينعكسا في اتجاه نقل هموم اللاجئين بصورة كافية، بل بات الخطاب الإعلامي أقرب إلى الدفاع عن سياسات الإدارة. ويضع هذه المسألة في سياق أوسع يتعلق بإدارة العلاقة مع المجتمع اللاجئ في ظل أزمات متلاحقة.

ما وراء عدد الأيام: أزمة حقوق وثقة

الناشط حسان السيد يقرأ الجدل من زاوية أوسع، معتبراً أن النقاش حول خمسة بأربعة أو أربعة بأربعة لا يمكن فصله عن مسار تقليص الخدمات والرواتب الذي شهدته السنوات الأخيرة. ويشير إلى أن تقليص الخدمات بنسبة عشرين في المئة وخصم جزء من الرواتب شكّلا نقطة تحوّل في العلاقة بين العاملين والإدارة.

ويحذر السيد من الاكتفاء بمكاسب آنية، مثل تخفيف العبء الوظيفي على حساب الهدف الأكبر المتمثل في استعادة الحقوق كاملة. كما يبدي تخوفه من أن يؤدي القبول بتسويات جزئية اليوم إلى فتح الباب أمام مزيد من الإجراءات التقشفية مستقبلاً، سواء على مستوى عدد أيام الدوام أو بنية العملية التعليمية.

القضية بحسب السيد تتجاوز الإطار الإداري لتلامس سؤالاً مركزياً كيف يمكن حماية التعليم في بيئة تعاني أصلاً من ضائقة مالية؟

مفترق طرق أمام العام الدراسي

ومع كل ردود الفعل الرافضة لقرارات الأونروا، تبدو الحاجة ملحّة إلى صيغة توافقية تعيد ترتيب الأولويات وتخفف منسوب التوتر. فالمسألة لم تعد مجرد نقاش تقني حول جدول أسبوعي، بل باتت مرتبطة بمستقبل العملية التعليمية في بيئة هشّة وبقدرة الأونروا على الحفاظ على دورها كحاضنة أساسية للتعليم الفلسطيني في لبنان.

وفي ظل هذا المشهد، يبقى التحدي الحقيقي أمام جميع الأطراف هو الانتقال من منطق تسجيل النقاط إلى منطق بناء الحلول، بما يضمن استقرار المدارس ويحفظ حقوق المعلمين ويصون حق الطلبة في تعليم نوعي لا تدفعه الأزمات المتلاحقة إلى الهامش.

 

موضوعات ذات صلة