| |

بلال الخطيب.. شاب حمل فلسطين في قلبه حتى اللحظة الأخيرة

في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان لا تنفصل الحياة اليومية عن السياسة، ولا تكبر الأجيال بعيداً عن سؤال الوطن.. هناك حيث تختزن الأزقة ذاكرة القرى الفلسطينية قضى الشهيد بلال الخطيب ثلاثة وعشرون عاماً من عمره لكنها كانت كافية ليصوغ لنفسه موقفاً واضحاً من العالم.

لم تكن صواريخ الاحتلال التي استهدفت المخيم مجرد حدث أمني عابر.. فقد ترك فجوة في بيتٍ وصمتاً ثقيلاً في مجلسٍ اعتاد بلال حضوره، وفخراً في عائلةٍ كان يعتبرها أولويته المطلقة.

بين الحماسة واليقين

لا يمكن قراءة سيرة بلال الخطيب بمعزل عن السياق الذي نشأ فيه..

ففي مخيم عين الحلوة يتكوّن وعي الشباب تحت ضغط دائم بين لجوء ممتد وواقع أمني هش واستهدافات متكررة تجعل فكرة الخطر جزءاً من الحياة اليومية.. وضمن هذا المناخ تتشكل علاقة مختلفة مع السياسة ومع مفهوم المقاومة ومع فكرة الشهادة نفسها.

بالنسبة لبلال، لم يكن الحديث عن المواجهة مع الاحتلال خطاباً استثنائياً بل انعكاساً لبيئةٍ يعيش فيها، فأبناء المخيم لا يتلقّون الأخبار من مسافة آمنة بل هم جزء من المشهد وجزء من نتائجه. لذلك بدا موقفه أقرب إلى تعبير عن وعي جمعي يتشكل لدى شريحة واسعة من الشباب، لا مجرد قناعة فردية معزولة.

رفيقه المقرّب يشير إلى أن بلال لم يتعامل مع القضية كرمزية عامة بل كمسؤولية شخصية، وكان يرى أن الانتماء لفلسطين لا يُختصر بالعاطفة بل يُقاس بمدى الاستعداد لتحمّل تبعات الموقف.. وهذا الفهم لم يكن انفعالياً بل نتاج نقاشات طويلة وتجربة يومية مع واقع المخيم حيث تختلط الهوية بالسياسة، ويصبح الموقف جزءاً من تعريف الذات.

في هذا الإطار، يمكن فهم حديثه المتكرر عن الشهادة باعتباره امتداداً لمنطقٍ يعتبر أن جيل المخيم يعيش ضمن معادلة مفتوحة الاحتمالات.

رفاقه الشهداء: الطريق الذي اختاره

عاش بلال جزءًا من تجربة جيل المخيم الذي يرى الشهادة خيارًا حقيقيًا ضمن مسار المقاومة. كان يذكر رفاقه الذين سبقوه إلى الشهادة، مثل يحيى عبد الرازق وأحمد عثمان ليس كأسماء على لوحة بل كقدوة يومية..

رفيقه يروي أن بلال كان دائمًا يتحدث عنهم ويخطط لأن يلحق بهم كجزء من التزامه بالقضية وكأن حياتهم ومساراتهم كانت دليلًا له على كيفية أن يعيش حياته وفق قناعاته.

هذا الارتباط كان تأكيداً على موقفه اليومي تجاه فلسطين والقضية، وعلى فهمه أن الانتماء الحقيقي يتطلب استعدادًا لتحمّل النتائج سواء في حياة المخيم اليومية أو في مواجهة الاحتلال.

بين العمل والالتزام الشخصي

خلال النهار كان يطرق الحديد في ورشته كحداد، لكن علاقته بالمخيم لم تقتصر على مهنته.. ففي الأزقة كان يلتقي الأطفال والجيران بابتسامة ويخفف عنهم وطأة الواقع اليومي من خلال وجوده البسيط والملموس أكثر من كلماته.

في الفترة الأخيرة، تحوّلت اهتماماته نحو التفرغ لحفظ القرآن، كخيار لإعادة ترتيب أولوياته بين حياته اليومية وقناعته الدينية.. لم يكن هذا تحولًا مفاجئًا بل امتدادًا لطبيعة شخصيته التي تبحث عن التوازن بين الالتزامات الفردية والواجبات تجاه محيطه وقضيته.

بلال صاحب الأثر

استشهاد بلال الخطيب لم يكن نهاية قصة شاب من مخيم عين الحلوة، بل لحظة تُثبت كيف يعيش جيل المخيم فلسطين في تفاصيل حياته اليومية.. بين عمله وأهله وأصدقائه وبين حرصه على القرآن.

رسم بلال صورة شاب يعرف ما يريد ويختار موقفه بشجاعة.. ليبقى اسمه حاضرًا ليس كرمز يُخلّد فحسب بل كقصة شاب عاش فلسطين اختيارًا، وترك أثرًا ملموسًا في قلوب من عرفوه وفي ذاكرة المخيم وفي مسار الجيل الذي يحمل القضية أمام أعينهم كل يوم.

 

 

موضوعات ذات صلة