في أحد أزقة مخيم البص، يجتمع متطوعون حول صناديق خضار ومواد غذائية، يعملون على تجهيز سلال ستصل لاحقًا إلى نحو 250 عائلة داخل المخيم. هنا، لا يبدو العمل مجرد نشاط موسمي، بل امتدادًا لمبادرة بدأت قبل تسع سنوات وما زالت مستمرة رغم التحديات.
تحمل هذه المبادرة اسم “شباب الخير”، وهي حملة تطوعية انطلقت من فكرة بسيطة عنوانها: “من بيتك لبيت جارك”، حيث كانت بدايتها تقوم على جمع الطعام من عائلات ميسورة وتقديمه لعائلات أكثر حاجة داخل المخيم.
من فكرة صغيرة إلى مبادرة مجتمعية
مع مرور السنوات، تطور عمل الحملة وتوسعت دائرة المتطوعين والداعمين، ما دفع القائمين عليها إلى إنشاء مطبخ خيري لتجهيز الوجبات وتقديم الدعم الغذائي بشكل أكثر تنظيمًا.
يقول المتحدث باسم الحملة عبد الرحمن سعد الدين إن المبادرة بدأت بشكل عفوي بين مجموعة من الشباب، قبل أن تتحول إلى عمل منظم يلامس احتياجات الناس بشكل مباشر.
“الفكرة كانت بسيطة جدًا… أن يشعر كل بيت أن هناك من يقف إلى جانبه”، يقول سعد الدين، مضيفًا أن استمرار الحملة جاء نتيجة تفاعل الأهالي وثقتهم بالعمل التطوعي.

استهداف العائلات الأكثر حاجة
تعتمد الحملة في توزيع مساعداتها على لائحة معدّة مسبقًا تتضمن العائلات الأكثر احتياجًا، وفق محددات اجتماعية ومعيشية يراعيها القائمون على المبادرة، بهدف ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
وتشمل المساعدات سلالًا غذائية وسلال خضار يتم تجهيزها وتوزيعها خلال شهر رمضان، في محاولة لتخفيف جزء من أعباء المصاريف التي تثقل كاهل العائلات.
“نحاول أن نكون عادلين قدر الإمكان، وأن تصل المساعدة لمن يحتاجها فعلًا”، يوضح سعد الدين.

استمرار رغم التحديات
شهدت الحملة خلال مسيرتها مراحل مختلفة، بينها فترة جائحة كورونا التي أثرت على طبيعة العمل المجتمعي، قبل أن تعود المبادرة لتستأنف نشاطها بوتيرة أكبر، مستفيدة من التجربة السابقة ومن اتساع شبكة الداعمين.
ويؤكد المتطوعون أن التحديات لم تتوقف، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وتزايد أعداد العائلات المحتاجة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار.
تضامن يتجاوز حدود المخيم
لم يقتصر عمل حملة “شباب الخير” على مخيم البص، بل امتد ليشمل دعم أهالي قطاع غزة خلال الحرب وما بعدها، حيث خصصت الحملة جزءًا من تبرعاتها لمساندة المتضررين هناك، في تعبير عن ترابط القضايا الإنسانية داخل المجتمع الفلسطيني.

ما هو أبعد من الطعام
بالنسبة للعائلات المستفيدة، تمثل السلال الغذائية دعمًا عمليًا ومعنويًا في آن واحد. فالمساعدة تخفف جزءًا من المصاريف، لكنها أيضًا تعزز شعور التضامن والانتماء داخل المخيم.
ويرى سعد الدين أن القيمة الأهم للمبادرة تكمن في بعدها الإنساني، قائلًا:
“نحن لا نقدّم طعامًا فقط… بل نحاول أن نحافظ على شعور الناس بأنهم ليسوا وحدهم.”
بعد تسع سنوات على انطلاقها، تواصل حملة “شباب الخير” عملها في مخيم البص، مستندة إلى جهود تطوعية وتبرعات فردية، ومتمسكة بفكرة بسيطة بدأت منها: أن يمدّ الجار يده للجار.
في زمن تزداد فيه الحاجة، تبدو هذه المبادرات شاهدًا على قدرة المجتمع على خلق مساحات دعم إنساني، تحفظ كرامة الناس وتُبقي روح رمضان حيّة داخ