حسين منصور – البقاع
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتجدد في المخيمات الفلسطينية في لبنان مبادرات التكافل الاجتماعي، وتتسع مساحات العطاء الشعبي نصرةً لأهالي قطاع غزة. ومن بين هذه المبادرات، برزت حملة “بيتي غزة” كمشروع شبابي تطوعي يقوم على فكرة الحصّالة المنزلية، في محاولة لترجمة مشاعر التضامن إلى خطوات عملية تسهم في دعم العائلات المتضررة في القطاع.
المبادرة أطلقتها الأقسام الشبابية في المخيمات الفلسطينية في لبنان مع بداية شهر رمضان، للعام الثاني على التوالي، مستهدفةً إشراك أكبر شريحة ممكنة من العائلات والأطفال في فعل العطاء، عبر توزيع حصّالات على المنازل، يتم جمعها مع نهاية الشهر الفضيل، ومن ثم إرسال المبالغ التي تم جمعها إلى أهالي غزة.

انطلاقة من مخيم الجليل
في مخيم الجليل، كما في سائر المخيمات، انطلقت الحملة مع الأيام الأولى من رمضان، حيث جال المتطوعون على المنازل لتسليم الحصالات وشرح فكرة المشروع وأهدافه. وتشارك في الحملة مجموعة من الجمعيات والمؤسسات الشبابية والكشفية والطلابية، في مشهد يعكس وحدة الموقف الشعبي تجاه ما يمر به القطاع.
خلدون كرزون، قائد في جمعية كشافة ومرشدات الإسراء، وهي إحدى الجمعيات المشاركة في الحملة، قال:
“نحن كمؤسسات شبابية أطلقنا حملة بيتي غزة للعام الثاني على التوالي، وهي عبارة عن توصيل حصّالات إلى المنازل في مخيم الجليل والجوار وكافة المخيمات. تهدف هذه الحملة إلى جمع التبرعات لصالح أهلنا في غزة، وشعورنا بالمسؤولية يحتم علينا أن نتحرك، وهذا أقلّ الواجب في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها أهالي غزة”.
ويشير كرزون إلى أن الحملة لا تقتصر على جمع التبرعات فحسب، بل تسعى إلى إشراك المجتمع بأكمله، خصوصًا فئة الأطفال والناشئة، في تحمل المسؤولية الوطنية والإنسانية، مؤكدًا أن التفاعل الشعبي هذا العام لافت ويعكس عمق الارتباط بالقضية.

بعد تربوي وإنساني
من جهته، اعتبر أمجد شهابي، وهو كادر في الرابطة الإسلامية لطلبة وأحد المشاركين في المبادرة، أن مشروع الحصّالة المنزلية يتجاوز البعد المالي إلى بُعد تربوي مهم، قائلاً:
“الحصّالة المنزلية هي فرصة تربوية لحثّ أهل البيت والأبناء على العطاء والإحسان والصدقة وزرع قيم الإخاء. قلبنا اليوم يتألم، فغزة تدافع عن الأمة كلها، وهذا أقلّ الوفاء لها، وقد يكون أجر القليل عند الله أوفى من الكثير”.
ويضيف شهابي أن شهر رمضان يشكل محطة روحية تعزز ثقافة التكافل، ما يجعل المبادرة أكثر تأثيرًا، خاصة حين يشارك فيها الأطفال من مصروفهم الشخصي، فيتعلّمون معنى المشاركة وتحمل المسؤولية منذ الصغر.
إقبال لافت من الأهالي
المتطوعة رغد جمعة أكدت بدورها أن الحملة تشهد إقبالاً كبيرًا من الأهالي في مخيم الجليل، مشيرة إلى أن مشاهد الأطفال وهم يضعون مصروفهم اليومي في الحصّالة كانت مؤثرة للغاية.
وقالت:
“هناك إقبال كبير من الأهالي على حملة بيتي غزة، حتى إننا نشاهد أطفالًا يضعون مصروفهم اليومي في الحصّالة. سنكمل هذه الحملة حتى نهاية شهر رمضان، وبعدها سيتم جمع الحصالات وفرزها تمهيدًا لإرسال المبالغ إلى أهلنا في غزة. أما عن سبب مشاركتي، فهو كسبًا للأجر، وكي نشعر بأننا نساعد أهالي غزة ولو بشيء قليل”.
وتوضح جمعة أن المتطوعين يعملون يوميًا على متابعة توزيع الحصالات، وتسجيل العائلات المشاركة، إضافة إلى تنظيم حملات توعية داخل الأحياء لحثّ المزيد من الأهالي على الانضمام إلى المبادرة.

صوت الأطفال… العطاء من القلب
الحضور الأبرز في هذه الحملة كان للأطفال، الذين تفاعلوا بحماس كبير مع فكرة التبرع من مصروفهم الخاص. وفي لقاءات مع عدد منهم، عبّروا عن رغبتهم في الوقوف إلى جانب أطفال غزة بطريقتهم الخاصة.
وقال أحد الأطفال: “كل مصروفنا خلال رمضان سنضعه في الحصّالة، ونتبرع به لأطفال غزة”.
وأضاف آخر: “نحن مع غزة، ونتمنى لهم النصر والفرج العاجل”.
هذه الكلمات البسيطة تختصر روح الحملة، حيث يتحول الفعل الصغير داخل كل منزل إلى رسالة تضامن كبيرة، تتجاوز حدود الجغرافيا.
رسالة تضامن متجددة
“بيتي غزة” ليست مجرد حملة تبرعات موسمية، بل هي رسالة تؤكد أن المخيمات الفلسطينية في لبنان، رغم ظروفها الصعبة، ما زالت تعتبر نفسها جزءًا حيًا من النسيج الوطني، وتشعر بمسؤوليتها تجاه أهلها في الداخل.
ومع اقتراب نهاية شهر رمضان، يستعد المتطوعون لجمع الحصالات وفرزها، تمهيدًا لإرسال ما جُمع إلى غزة، في خطوة تجسد معنى الأخوّة والتكافل.
بين حصّالةٍ توضع على رفّ منزل، وطفلٍ يضع فيها مصروفه اليومي، تتجدد حكاية التضامن الشعبي، وتبقى غزة حاضرة في قلوب الجميع.