| |

وصيةٌ عُمّدت بالدم: كيف أقام الشهيد محمد الصاوي في شقيقه صلاةً لا تنقطع؟

بين جدران مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في صيدا حيث يضيق المدى وتتسع الأحلام، نبتت سيرة الشهيد الفلسطيني محمد الصاوي في تلك الأزقة التي تختزل وجع اللجوء الفلسطيني في جنوب لبنان.

لم يكن محمد مجرد لاجئ ينتظر العودة، بل كان هو العودة في أبهى صورها الإنسانية، من رحم الحرمان وقسوة الحياة، صاغ محمد هويته، فكان الابن البار الذي يمسح تعب أهله، والجار الذي يسبق الجميع للخدمة، والشاب الذي جعل من انتمائه لبلدته الأصلية “طيرة حيفا” يقيناً يومياً، يمارسه فعلاً ونشاطاً في كل زاوية من زوايا المخيم التي تذكر بفلسطين.

لم تكن حياة محمد في المخيم ضجيجاً بلا أثر كما يقول شقيقه وئام بل كانت صلاةً صامتة وعملاً دؤوباً، عُرف بين جيرانه بقلبه المعطاء وروحه السمحة التي لا تكل، وكان يجد سكينته في حفظ القرآن الكريم، متمسكاً بحب الله كبوصلة وحيدة في زحام الحياة.

ويضيف وئام أن محمد كان يرى في كل نشاط أو فعالية تخص فلسطين واجباً مقدساً، وكأن كل خطوة يخطوها في أزقة المخيم هي خطوة أقرب نحو حيفا التي سكنت خياله ولم تطأها قدماه.

لم تكن علاقة محمد بالقرآن الكريم مجرد حفظ وتلاوة، بل كانت دستور حياة رافقه حتى الرمق الأخير، ففي مكان استشهاده مع رفيقه الشهيد بلال الخطيب، وُجدت ورقة  خُطت عليها آية قرآنية، وكأنها كانت الرسالة التي يودّ أن يقرأها العالم من بعدهم، تلك الورقة لم تكن مجرد قصاصة، بل كانت “هويته الحقيقية؛ شاباً عاش مع القرآن، وقضى وهو يحمل كلمات القرآن حتى الشهادة.

يروي شقيقه “وئام” كيف كان محمد يحثه دائماً وبإلحاح على مواظبة الصلاة، وكأن قلبه كان يشعر بدنو الأجل، وبعد ارتقاء محمد، تحول هذا الحثّ إلى عهدٍ أبدي؛ إذ قطع وئام على نفسه وعداً أن لا يترك صلاة واحدة بعد اليوم.

وهكذا، تحول فقدُ محمد إلى محرابٍ للالتزام، فأصبح وئام يرى في كل سجدةٍ وفاءً لأخيه، وفي كل أذانٍ صدىً لصوته الذي ما زال يتردد في أرجاء البيت، ليثبت للعالم أن الشهيد لا يموت ما دام أثره في الصلاة باقياً، وأن وصية محمد قد أثمرت نوراً في جبين شقيقه.

لقد استشهد محمد، لكنه أقام في شقيقه صلاةً لا تنقطع، ليثبت أن روح الشهيد تظل حيةً وباقية، هكذا رحل محمد الصاوي عن مخيم عين الحلوة، لكن طيفه سيبقى حاضراً في كل حلقة قرآن، وفي كل نشاط لفلسطين، وفي كل ركعة يؤديها شقيقه وئام، غادر محمد الصاوي وهو يحمل حيفا في صدره، ارتقى شهيداً ليعلمنا أن الانتماء  عقيدة وعمل، فمن كان القرآن رفيقه، والخدمة سبيله، والشهادة خاتمته، لا يموت أبداً.

 

موضوعات ذات صلة