لا تبدي الولايات المتحدة اهتماما ظاهرا (ولا باطنا) بما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية والقدس، ما ينبئ بوجود “تفاهمات” من نوع ما بين الجانبين حول هذا الموضوع.
البعض يسميه ضوءا أخضر أمريكيا لحكومة نتنياهو، والبعض الآخر يصفه بـ”الضوء البرتقالي”، مع أن ما يجري في الضفة، أشد ضررا وخطورة مما جرى ويجري في قطاع غزة، إذا ما نظر للموضوع من زاوية إستراتيجية بعيدة المدى، تتعلق بتقرير المصير، ومستقبل الدولة الفلسطينية، و”حل الدولتين” استتباعا.
وفي ظني- وليس كل الظن إثما- أن “اللامبالاة” الأمريكية بمجريات السلوك الهمجي- الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة، لا ينبغي أن تنطوي على مفاجأة من أي نوع.
فالرئيس دونالد ترمب لم يتفوّه يوما بحل الدولتين، وهو- وإن ضمن مبادرته ذات النقاط العشرين بندا- يتحدث عن مسار طويل ومعقد ومشروط، للأخذ بنظر الاعتبار تطلع الفلسطينيين للدولة وتقرير المصير، فإنما فعل ذلك، استجابة لمطلب كوكبة من حلفائه العرب والمسلمين، في إطار مجموعة الثماني “G8″، التي التقى قادتها في نيويورك، سبتمبر/أيلول الماضي، لوضع اللمسات الأخيرة على خطته لغزة، والتي ستصبح بعد وقت ليس بالطويل، قرارا أمميا يحمل الرقم (2803).
كما أن ترمب في ولايته الأولى، هو من منح حكومة نتنياهو، آنذاك، اعترافا أمريكيا بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إليها، فضلا عما يقرب من ثلث مساحة الضفة الغربية، في إطار ما عرف بصفقة القرن.
وهو في ولايته الثانية، يستكمل ما كان بدأه من سعي لتقويض كل فرصة لقيام دولة فلسطينية، مستقلة وقابلة للحياة، مستفيدا من تداعيات “طوفان الأقصى” وتطورات حرب التطهير والإبادة.
الضفة مقابل غزة
لم تعد واشنطن تنظر للاستيطان والزحف الاستيطاني المنفلت من كل عقال، بوصفه عملا غير شرعي، وينتهك القانون الدولي، كما أنها لم تعد ترى فيه عقبة في طريق المفاوضات والحل النهائي والسلام المستدام.
فسفراؤها في القدس، ومن قبل في تل أبيب، لطالما صادقوا على “شرعية” الرواية الإسرائيلية، بالعودة إلى “وطن الأجداد في يهودا والسامرة”، وبعضهم كان في عداد المستوطنين أنفسهم، ومنهم من تلقى علومه الدينية في مدارس ومعاهد يهودية أقيمت على أرض الضفة المحتلة.
ومن يتابع تصريحات مايك هاكابي، لا يجد فارقا يميزها عن تصريحات سموتريتش وبن غفير، ومثله في ذلك، مثل كثرة من كبار المسؤولين في إدارة ترمب.
ولولا أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، مطمئنة أشد الاطمئنان، لسلامة الموقف الأمريكي الداعم لخططها الاستعمارية في القدس والضفة، لما جرؤت على الذهاب في “الحسم” إلى حد إلغاء العمل بقانون الأراضي الأردني، وتدمير خطوط أوسلو وخرائطه وتصنيفاته، ولما داست بأقدامها بروتوكول الخليل، ووسعت الحدود الإدارية لبلدية القدس الكبرى، لتصل إلى عمق وادي الأردن، ولما شرعت في بسط سيطرتها على ما تسميه “أملاك الغائب” و”الأراضي الأميرية” والمواقع التراثية والدينية، ولما جعلت من “إدارتها المدنية الاحتلالية” مرجعا بديلا عن السلطة في تسجيل الأراضي والعقارات الفلسطينية.
وحتى حين تحيل حكومة الاحتلال وجيشها وقطعان مستوطنيها، مناطق واسعة في الضفة، شمالها وأغوارها بخاصة، إلى ما يمكن وصفه “غزة الصغيرة”، فإن أكثر ما تذهب إليه إجراءات واشنطن هو إدراج بعض الأسماء الثانوية المغمورة من “شبيبة التلال” على قوائم العقوبات.
أما محرضوهم وقادتهم، من سياسيين وأمنيين، فلا تطالهم يد العقوبات الأمريكية، حتى وهم يعيثون قتلا وحرقا وتشريدا وتبديدا للبشر والشجر والحجر. هي استباحة كاملة للأرض والمجتمع الفلسطينيَين، في ظل صمت أمريكي متواطئ، يشي بالشراكة في هذه الجريمة، بدل العمل على وقفها.
وأكثر ما تطلبه واشنطن من رئيس الوزراء الإسرائيلي “المدلل”، هو تفادي إحراجها ما أمكن، لكي تظل قادرة على التواصل مع “حلفائها العرب والمسلمين”، ولكي تبقي على فرص استئناف وتطوير “المسار الأبراهامي”، ودائما بما يخدم المصالح الإستراتيجية الأبعد لدولة الاحتلال، حتى وإن تم ذلك على حساب مصالح إسرائيلية آنية أضيق.
بهذا المعنى، لا تمانع واشنطن قيام إسرائيل بضم الضفة الغربية، شريطة أن يتم ذلك من دون إعلان رسمي، ولسان حال إدارة ترمب يقول لحكومة نتنياهو: اذهبوا بعيدا وحيث تستطيع أنياب جرافاتكم الفولاذية أن تصل، ولكن لا تحرجوا الرئيس مع قادة وحكومات، يجاهر بمحبته لهم واحترامه لمصالحهم.
ونظير هذه “اليد الطليقة” الممنوحة لإسرائيل في الضفة الغربية والقدس، تطلب واشنطن منها، تسهيل مهمة ترمب ومبادرته في غزة، وبصورة لا تغفل عن مصالح إسرائيل في القطاع كذلك، وتكفل للرئيس الأمريكي إتمام مبادرة حملت اسمه، لطالما بالغ في تقدير أهميتها (وعظمتها)، كيف لا وهي المبادرة التي ستجلب سلاما مفقودا منذ ثلاثة آلاف عام، وسيستمر إلى الأبد؟!
معادلة “الضفة مقابل غزة” التي يبدو أنها تحكم سلوك الطرفين الأمريكي والإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا تعني أن واشنطن ستتجاهل الأولويات الضاغطة لتل أبيب في غزة، منها قضيتا السلاح والإدارة بخاصة، ولكنها ستضبط إيقاع الجموح الإسرائيلي على وقع الخطوات الأمريكية “المراعية” إلى حد ما، مواقف ومصالح الأطراف العربية والإسلامية الشريكة.
ومقابل سياسة “اليد الطليقة” في الضفة، يمكن القول إن اليد الإسرائيلية في غزة، ستقيد ببنود مبادرة ترمب ومقتضيات المراحل التالية للحرب وحسابات “اليوم التالي” أمريكيا.
يعني ذلك من ضمن ما يعني، أن كل حديث جاء في المبادرة والقرار الأممي عن أفق ذي مغزى، أو مسار لا رجعة عنه، لتقرير المصير والدولة الفلسطينية، يصبح لغوا فارغا، القصد منه الإلهاء وتمكين إسرائيل من الوقت الذي تحتاجه لابتلاع الضفة و”أسرلة” القدس، وتخدير المواقف العربية وتنويمها، أو على الأقل، تفادي وقوعها في “الحرج الشديد” أمام شعوبها والرأي العام العربي والإسلامي.. آخر مبادرة ترمب، يناقض أولها، وأولها ابتلاع الضفة وتقليع أنياب غزة ومخالبها.
إسرائيل في زمن اليمين المتطرف المدعوم من يمين أمريكي، لا يقل تطرفا، تنتقل من دائرة الحديث عن “أراضٍ متنازع عليها” أو “متفاوض حولها”، إلى مربع إخراج هذه المناطق من دائرتي التفاوض والتنازع، فهي أرض إسرائيلية بالكامل، لا مطرح عليها لشيء اسمه الضفة الغربية، هناك “يهودا والسامرة” فقط.
وهي بفعل “قانون القومية” الذي أقره الكنيست قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول بخمس سنوات، جزء لا يتجزأ من الأرض الموعودة لشعب الله المختار.. في تجسيد استفزازي للأيديولوجيا الدينية حين تصبح محركا للسياسة، أو تحل محلها.
وإسرائيل في زمن التطرف الديني- القومي، وبدعم مطلق من يمين أمريكي مصنع من القماشة ذاتها، تنجح في شطب العبارة الأثيرة على مقررات الإجماع العربي: مسار لا رجعة عنه لحل الدولتين، والتي حلت محل “المبادرة العربية للسلام” التي شكلت منطوق الخطاب الرسمي العربي لربع قرن، واستبدالها بسلوك لا رجعة عنه، في الزحف الاستيطاني العدواني الذي يستهدف الأرض وأصحابها الأصليين.
وإسرائيل التي تعلن جهارا نهارا، رفضها الكيانية الفلسطينية، بغياب أي فريق وازن داخلها، يتحدث عن “دولتين لشعبين”، أو حتى بلغة “الانفصال” عن الديمغرافيا الفلسطينية، إسرائيل هذه، تسرع خطواتها لابتلاع إقليم الدولة وأرضها، وتجهد في إجبار الشعب على الهجرة أو الخضوع والخنوع في معازل وبانتوستانات، عنصرية الطراز، أما “النظام السياسي”، الركن الثالث لمشروع الدولة، فقد بلغ من الهشاشة و”ترقق العظام”، حدا يصيب المراقبين بالدهشة مع إشراقة كل يوم إضافي في حياة السلطة الفلسطينية.
يجري ذلك كله، تحت سمع وبصر واشنطن، التي لا تحرك ساكنا بذريعة أن الأولوية الآن لغزة.. وينبري “جيش من المتحدثين الأمريكيين”، من مسؤولين وجنرالات سابقين وخبراء حاليين، بالدفاع عن السياسة الإسرائيلية على مختلف الشاشات العربية والدولية، باعتبارها حقا مشروعا لحفظ أمن إسرائيل، وتحوطا من تكرار سيناريو السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
والحقيقة أنه لا يتعين على أحد أن يصاب بالدهشة والاستغراب لهذا السلوك الأمريكي، ليس من منطلق الانحياز الأمريكي المطلق والأعمى لإسرائيل، المتوارث إدارة عن أخرى، فحسب، بل من واقع القراءة المتأنية لمبادرة ترمب ذات العشرين بندا، والتي قيل إنها تفتح أفقا لسلام شامل ودائم وعادل، في حين أنها كانت مفصلة على مقاس غزة، ولا تتخطى جغرافيتها الضيقة، وكل ما أضيف إليها أو ألحق بها، لم يكن سوى ذر للرماد في العيون و”لعبة خداع”.
وهي في جوهرها تراوح بين حدين: إعادة إعمار بمعايير “ريفييرا ترمب”، وشرط تل أبيب بنزع سلاح غزة وليس سلاح المقاومة وحدها، فلا تشكل تهديدا لإسرائيل إلى أبد الآبدين.