دقّوا جدار الخزّان: بعد ٧٧ عاما على انشائها الأونروا تُذبح على مرأى منكم!

الكاتبسامي مشعشع

ما يجري اليوم للاونروا ليس أزمة تمويل عابرة، ولا “سوء إدارة” مؤقتًا، ولا مجرد ارتدادات لحرب الإبادة على غزة، ولا خلافًا مطلبيًا عابرًا بين الادارة والعاملين. نحن أمام عملية إعدام منهجي، متسارع، محسوب، يُنفَّذ على مراحل، وبأدوات متعددة: قتل وتجويع، تشويه وابتزاز، تقليص وتفريغ.

بعد عامين من المجزرة المفتوحة على غزة، قُتل مئات من موظفي الأونروا، ودُمّرت عشرات منشآتها، واستُهدف مقرّها في الشيخ جرّاح. ترافق ذلك مع حملة شيطنة قادتها إسرائيل وغطّتها الولايات المتحدة، عبر اتهامات بلا بيّنات، وتعليق أو تقليص التمويل، وتحويل لقمة اللاجئ إلى أداة ضغط سياسي. الرسالة لم تكن ملتبسة: إمّا إعادة صياغة الوكالة وفق الشروط السياسية المفروضة، وسلخها عن تفويضها الشرعي وتبهيت حقوق اللاجئين، أو خنقها حتى الموت.

الصدمة الأكبر أن الخنق لا يأتي فقط من الخارج. إدارة الأونروا تدير الأزمة بعقلية انكماش وتأقلم، بل وتواطؤ أحيانًا، لا بعقلية صمود. أكثر من 600 وظيفة أُلغيت في غزة وحدها. آلاف الوظائف تقلّصت من جهاز بلغ يومًا نحو 33 ألف موظف. خُصم 20% من الرواتب. تمدّد العمل بالعقود المؤقتة. تراجع كارثي في مستويات التعليم (تجهيل متعمد) والصحة والإغاثة. توقّف المساعدات الغذائية والنقدية في ذروة المجاعة واستشراء الفقر. تغييرات جوهرية في المناهج. تضييق على العاملين. ترهيب مبطّن لكل من يرفع صوته. اتحاد عام يعلن نزاع عمل، فيما الانقسام النقابي وضعف أداء اتحاد العاملين يفتك بقدرته على المواجهة (نعم، وبصريح العبارة، اتحاد العاملين لن يذهب لمواجهة مفتوحة).

في غزة، يتكرّس واقع خطير: لا دور مركزي حقيقي للأونروا في ظل ترتيبات ما بعد الحرب وما يُسمّى بـ“مجلس السلام”. لا إعادة بناء للمخيمات. ملامح عهد وصاية جديد لا مكان فيه للاجئ كفاعل سياسي، بل كعبء إنساني يُدار ويد عاملة رخيصة . ومخططات تهجير خشن أحيانًا، وناعم أحيانًا أخرى متواصلة .

في الضفة الغربية، تهجير مخيمات في الشمال ليس حدثًا أمنيًا عابرًا، بل اختبار لمرحلة جديدة. ماذا يعني إسقاط صفة “المخيم” فعليًا؟ إذا أُزيلت المخيمات من الخريطة، هل يبقى اللاجئ كما هو قانونيًا وسياسيًا (كما يحلو لنا الافتاء!؟ أم أننا أمام تفكيك تدريجي لمعنى اللجوء ذاته؟ وفي لبنان وسوريا، تتصاعد الضغوط لتقليص الدور بإصرار والتحضير لخطوات توطينية، بلا مساءلة فلسطينية جدّية، وبلا خطة مواجهة واضحة.

تُطرح توصيات “تقنية” بنقل بعض خدمات الأونروا إلى وكالات أممية أخرى أو شركاء محليين. يُقال إن الأمر إداري. هذا تضليل. كذب. الحقيقة أنه تفكيك بالتقسيط. الأونروا ليست مجرد مدرسة وعيادة وسلّة غذاء. هي التعبير الدولي المتبقي عن أن هناك شعبًا اقتُلع ولم تُحلّ قضيته. حين تُفرَّغ من مضمونها، لا يُستهدف بند في الموازنة ولا وظيفة هنا أو هناك، بل يُستهدف تعريف اللاجئ نفسه، ويُستهدف حق العودة في جوهره.

أما الأمم المتحدة، فدفاعها هزيل عن وكالتها: بيانات باردة أمام حملة منظمة، ومواقف مترددة تخشى غضب المانحين أكثر مما تخشى ضياع حقوق ملايين اللاجئين.

وأما نحن؟ فأين البرنامج الوطني الفلسطيني لحماية الأونروا؟ أين الخطة السياسية والإعلامية والنقابية الموحّدة؟ هل يُعقل أن تُذبح المؤسسة الدولية الوحيدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين ونحن منقسمون، نراقب، ننتظر “التطورات”؟ هل يُعقل أن يُترك العاملون فيها بين نار الجوع في غزة، وتراجع الخدمات في لبنان وسوريا، واستفحال الفقر بينهم في الأردن، وتهديد وجود المخيمات برمّتها في الضفة؟

الصورة سوداء، ولا حاجة لتجميلها. لا نريد خطابات رنّانة بلا رصيد. هناك قتل وتجويع في غزة، توسّع استيطاني وعنف منفلت في الضفة، تهجير صامت، وتقليص ممنهج للخدمات. المعادلة واضحة: إضعاف الأونروا تمهيدًا لإضعاف حق العودة. وإذا اختفت خدماتها تدريجيًا، سيُقال لنا ببساطة: الواقع تغيّر، اندمجوا، توطّنوا، انسوا.

هذا ناقوس خطر. إذا لم يُفتح ملف الأونروا كأولوية وطنية عليا، وإذا لم تُبنَ جبهة فلسطينية موحّدة للدفاع عنها، سنستيقظ على وكالة بلا روح، ثم على قضية بلا شاهد.

وبصراحة أكثر: منحنى الهجوم على الأونروا يوحي بأنها قد لا تبلغ عامها الثمانين.

الصمت هنا ليس حيادًا. الصمت شراكة.

موضوعات ذات صلة