| |

بين رام الله والمخيمات: من يدفع ثمن إعادة هندسة فتح في لبنان؟

في تطور سياسي وتنظيمي بارز داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح في لبنان جاءت قرارات فصل أعداد كبيرة من كوادر الحركة خلال الأشهر الماضية لتكشف عن أبعاد تتجاوز إعادة تنظيم داخلي، وصولاً إلى صراع على النفوذ وإعادة ترتيب الأولويات في ظل ضغوط مالية ومخططات استراتيجية أوسع.

الفصل كخطة سياسية منتشرة وليس مجرد إجراء إداري

تُظهر المعطيات أن عدد المفصولين في مخيمي الرشيدية والمية ومية تجاوز 80 عنصرًا خلال شهر واحد فقط، فيما تخطى العدد على مستوى لبنان أكثر من 2,000 عنصر.. وضمن هذا الإطار لا يمكن اختزال ما يجري في خانة إعادة هيكلة تنظيمية فحسب، خصوصًا وأن جزءًا من هذه القرارات لم يُدرج تحت مسمى التقاعد بل جاء على شكل استغناء مباشر عن خدمات كوادر من دون تبرير تفصيلي معلن وهو ما عزز إدعاءات داخل المخيمات بأن هناك إعادة فرز للنفوذ داخل الحركة وليس مجرد ضبط مالي وتنظيمي.

لاسيما أن استبعاد بعض القيادات لما يُعرف “بتيار أشرف دبور” من المشهد التنظيمي في لبنان جاء بالتوازي مع تكريس أدوار لشخصيات محسوبة على جهة القرار المركزي في رام الله.

الأبعاد المالية: تقليص الموازنة وتركيب سلطة جديدة

في خلفية الأزمة المالية داخل الحركة، ثمة توجه جدي لتقليص الميزانية السنوية المخصّصة لفتح في لبنان من مستوى كان يُقدّر بنحو 15 مليون دولار إلى حدود 10 ملايين دولار، وهذا التقليص لا يعد مجرد إجراء اقتصادي بل يحمل تداعيات سياسية واضحة إذ يطال البنية التنظيمية في المخيمات بشكل مباشر ويعيد تشكيل آليات الدعم والاستقرار الداخلي التي قامت عليها الحركة لعقود وفي مقدمتها منظومة الرواتب والمخصصات التي شكّلت عنصر أمان اجتماعي لكوادرها في ظل غياب فرص عمل مدنية حقيقية للاجئين الفلسطينيين داخل لبنان.

وبالتالي فإن تقليص الميزانية يشكل عنصر ضغط استخدمته قيادة الحركة ضمن حزمة إجراءات أوسع لإعادة ضبط الأولويات، ما أثار استياء واسعًا داخل القاعدة التنظيمية.

ياسر عباس: بين العقارات والاستراتيجيات التنظيمية في لبنان

على هامش هذه التطورات، يبرز اسم ياسر عباس نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الملفات المتعلقة بلبنان، فقد تم تكليفه شخصيًا بمهام مرتبطة بترتيب أوضاع ممتلكات منظمة التحرير الفلسطينية وأصولها العقارية في لبنان بما فيها الأراضي والعقارات التي شُركت بعمليات تسجيل معقدة عبر عقود طويلة.. ويُنظر إلى هذا الملف على أنه مرتبط بخطط أوسع لإدارة الموارد المالية والضغط على المشهد التنظيمي المحلي.

إضافة إلى ذلك، فإن ياسر عباس شارك بمتابعة ملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في المخيمات خاصة مخيمات جنوب الليطاني وهو ملف أثار خلافات حتى داخل الحركة نفسها، إذ اتُهم بعض القادة بأنه لم يتم استشارتهم في هذا الشأن وأن قراراته في هذا الإطار تخدم أجندات خارجية أو ترتبط بتنفيذ تفاهمات مع الدولة اللبنانية.

الاحتجاجات والانقلاب داخل المخيمات

لم يبقَ الغضب الفلسطيني داخل تنظيم فتح في إطار التململ الصامت..

ففي مخيم المية ومية تحوّل الاعتراض إلى تحرك ميداني بعد رفض عدد من المفصولين الانصياع لقرارات فصلهم لا سيما في ما يتعلق بوقف الرواتب، حيث تم اقتحام مستوصف صلاح خلف لأكثر من خمس ساعات، في مشهد يعكس انتقال الأزمة من مستوى إداري داخلي إلى مستوى اشتباك مفتوح داخل الفضاء العام للمخيم.

وسواء أطلق على ما جرى توصيف احتجاج أو تمرد أو حتى انقلاب، فإن الدلالة السياسية الأهم تكمن في أن الأزمة خرجت من الغرف التنظيمية المغلقة إلى العلن، فحين يتحول القرار الإداري إلى فعل احتجاجي ميداني فهذا يعني أن جزءًا من القاعدة لم يعد يرى نفسه شريكًا في المعادلة التنظيمية بل ضحية لإعادة ترتيب قسرية لا يملك أدوات التأثير فيها.

الاحتجاجات كشفت ما هو أعمق من خلاف على راتب أو موقع تنظيمي.. فهي كشفت تصدّعًا في علاقة الثقة بين القيادة والقاعدة وأظهرت أن شريحة واسعة من الكوادر تعتبر نفسها أُقصيت من دون مسار واضح أو ضمانات اجتماعية في بيئة تعاني أصلًا من انسداد اقتصادي.. وهنا يكمن الخطر الحقيقي فحين يتحول الاستياء الفردي إلى شعور جماعي بالتهميش يصبح ضبطه أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار بيان نفي أو تأكيد.

انعكاسات القرار على الاستقرار الاجتماعي والسياسي

ما يجري اليوم في المخيمات الفلسطينية في لبنان لا يمكن قراءته كخطوة تنظيمية عادية ولا كإجراء تقشفي معزول، فالمخيمات أمام عملية إعادة تموضع داخل واحدة من أهم ساحات فتح في الشتات حيث يتقاطع المال بالسياسة وإعادة الهيكلة بإعادة توزيع النفوذ والقرار المالي بإعادة ضبط الخريطة الداخلية للحركة.

فالاستغناء عن آلاف الكوادر وتقليص الموارد وإعادة ترتيب الملفات الحساسة في لبنان، كلها خطوات تُحدث فراغًا لا يبقى محايدًا.. فالفراغ في المخيمات لا يدوم طويلًا فإما أن يُملأ بثقة متجددة أو يُملأ باحتقان صامت يتراكم تدريجيًا.. والأزمات التنظيمية حين تتجاهل بعدها الاجتماعي تتحول إلى أزمات شرعية.

المعضلة اليوم ليست في نفي بيان أو تأكيد رواية، بل في السؤال الأعمق هل ما يجري هو إصلاح داخلي مضبوط أم إعادة صياغة قسرية للعلاقة بين القيادة وقاعدتها في لبنان؟ الإجابة لن تُقاس بحجم البيانات الصادرة بل بقدرة الحركة على منع تحوّل قراراتها إلى شرخ طويل الأمد داخل مجتمع يعيش أصلًا على حافة الهشاشة الاقتصادية والسياسية.

وفي المخيمات حين تهتز الثقة لا يبقى شيء كما كان.

موضوعات ذات صلة