شهد الإقليم خلال الفترة الأخيرة سلسلة أحداث مفصلية أعادت رسم معادلات الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة، بدأت المرحلة بتداعيات حادثة سقوط طائرة الرئيس الايراني إبراهيم رئيسي ووزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان في ظروف وُصفت بالغامضة، وما تبعها من تصعيد سياسي وأمني.
تزامن ذلك مع استهداف القنصلية الإيرانية في سوريا، والرد الإيراني اللاحق الذي عُرف بعملية“الوعد الصادق”، وصولاً إلى اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران، ثم اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في تطور اعتُبر محاولة مباشرة لضرب رأس منظومة الحلفاء الاقليميين لطهران.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن نصر الله كان يشكل حلقة تأثير مركزية في معادلة القرار الإقليمي، وأن تصفيته تُربك المنظومة الايرانية، عكست توجها ً إسرائيليا ً يقوم على استهداف مراكز الثقل السياسية والعسكرية، تمهيدا ً لإضعاف إيران استراتيجيا ً.
وقد بلغت المواجهة ذروتها في حرب مباشرة استمرت ١٢ يوماً بين إسرائيل وإيران، في ظل بيئة إقليمية متفجرة، وبعد إضعاف حلفاء طهران في لبنان وغزة واليمن، ضمن سياق تنسيق عسكري إسرائيلي، وتحوّلات ميدانية في الساحة السورية حدّت من هامش الحركة
الإيرانية.
ثانياً: طبيعة الصراع النووي كعنوان أم كذريعة؟
رغم أن البرنامج النووي الإيراني يُطرح بوصفه محور الخلاف، إلا أن المعطيات تشير إلى أن
جوهر الصراع يتجاوز هذا العنوان، فالولايات المتحدة تقبل بواقع القدرات النووية الاسرائيلية، لكنها ترفض تطوير إيران لقدرات نووية حتى ضمن إطار مدني، ما يعكس أبعادا ً تتعلق بتوازن القوى الاقليمي أكثر من مسألة الانتشار النووي بحد ذاتها.
شهدت المرحلة السابقة جولات تفاوض غير مباشرة بين واشنطن وطهران، تخللتها ضغوط اقتصادية واحتجاجات داخلية مدعومة من اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية تهدف الى اسقاط النظام وكانت ذريعة ترامب ان الادارة الاميركية ستضرب ايران اذا تعرضت الى المحتجين
بممارسة العنف، ومن هنا يظهر ان المشكلة ليست مع البرنامج النووي الايراني، بل مع مواقف النظام الايراني ودعمه للمنظمات التي تواجه اسرائيل، وما يؤكد ذلك انه خلال الحرب ١٢ يوماّ النظام بين اسرائيل وايران، اعلنت الولايات المتحدة الاميركية انها ضربت البرنامج النووي الايراني، ما يضع علامات إستفهام حول إستعادة هذا الملف. ومع تعثر المسار التفاوضي، انتقل التصعيد إلى
مستوى عسكري مباشر، شمل استهداف مواقع عسكرية وشخصيات قيادية، مع تصاعد الحديث عن استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي.
ثالثاً: تحوّل بعض دول الخليج إلى ساحة اشتباك غير مباشر
أدى توقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين، إضافة إلى استخدام قواعد أميركية في الخليج في عمليات عسكرية، إلى إدخال هذه الدول عمليا ً في معادلة الردع المتبادل.
ومن منظور إيراني، فإن اعتراض صواريخ أو مسيّرات إيرانية موجّهة نحو إسرائيل يُعد انخراطا ًمباشرا ً في الصراع، ما يجعل هذه الدول ضمن دائرة الاستهداف المحتمل في أي مواجهة مفتوحة.
هذا التحول يرفع مستوى المخاطر الأمنية في الخليج، ويهدد استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
رابعاً: عناصر القوة الإيرانية
رغم الضغوط العسكرية والسياسية، تمتلك إيران مجموعة عناصر قوة استراتيجي:
– الموقع الجغرافي : إشرافها على مضيق هرمز، وقدرتها غير المباشرة على التأثير في باب المندب.
– القدرات العسكرية : منظومة صاروخية بالستية متطورة، وطائرات مسيّرة بعيدة المدى.
-شبكة الحلفاء الاقليميين : امتدادات في العراق ولبنان واليمن، قادرة على فتح جبهات متعددة
– تماسك مؤسسات الدولة : لاسيما دور الحرس الثوري بوصفه ركيزة أمنية وعسكرية واقتصادية.
– القدرة على إدارة الصراع الطويل :اعتماد استراتيجيات استنزاف وتدرج في الرد .
هذه العناصر تجعل خيار الحسم السريع أو إسقاط النظام الإيراني عبر ضربة خاطفة أمرا ً معقدا ً ومحفوفا ً بالمخاطر.
خامساً: السيناريوهات المحتملة
في حال صحة التقارير حول استهداف المرشد الأعلى أو تصفية قيادات عليا، يمكن تصور
السيناريوهات التالية:
١-رد إيراني مباشر على إسرائيل والقواعد الأميركية، بما قد يفتح الباب : تصعيد إقليمي شامل أمام حرب واسعة النطاق.
٢- استراتيجة النفس الطويل: اعتماد ردود غير مباشرة ومتدرجة عبر ساحات متعددة
٣- تفعيل الجبهات المتزامنة : تحريك لبنان والعراق واليمن وغزة في آنٍ واحد لفرض معادلة ردع شاملة.
٤-إعادة ترتيب داخلي سريع : حدوث ارتباك مؤقت يعقبه انتقال منظم للسلطة داخل بنية النظام
٥- تدويل المواجهة: انخراط قوى دولية كبرى، إما لاحتواء التصعيد أو لاعادة رسم توازنات جديدة.
سادساً: البعد الدوليالصراع في إطار التنافس مع الصين
تُقرأ هذه المواجهة أيضا ً في سياق أوسع مرتبط بالتنافس الأميركي الصيني ، فإيران تعد شريكاً أساسيا ً لبكين في مجال الطاقة، وعضوا ً في ترتيبات دولية بديلة للنظام الغربي. من هذا المنظور، قد يُنظر إلى إضعاف إيران كجزء من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الصيني، بالتوازي مع استنزاف روسيا في أوكرانيا، وإعادة تشكيل بيئات التوتر في آسيا.
أما إسرائيل فتسعى الى تفكيك بنية “وحدة الساحات” المرتبطة بإيران، عب الفصل بين الجبهات وإضعاف كل ساحة على حدة، تمهيدا ً للانتقال إلى مواجهة مباشرة مع طهران،مستفيدة من تحالفاتها الاقليمية.
سابعاً: انعكاسات الحرب على أوروبا
لايمكن فصل أي تصعيد واسع بين إسرائيل وإيران عن تداعياته المباشرة وغير المباشرة على أوروبا، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي. وتتمثل أبرز الانعكاسات المحتملة فيما يلي:
أمن الطاقة وارتفاع الاسعار
تعتمد أوروبا جزئيا ً على استقرار تدفقات الطاقة من منطقة الخليج. أي تهديد لمضيق هرمز أو تصعيد يؤثر على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا ً.
وفي ظل سعي الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، فإن اندلاع حرب اقليمية سيعيد الضغط على الاقتصادات الاوروبية، ويرفع معدلات التضخم ويزيد كلفة الانتاج والنقل.
اضطراب سلاسل الامداد والتجارة
تشكل الممرات البحرية في الخليج والبحر الاحمر جزءا ً حيويا ً من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، أي تعطيل طويل الأمد سيؤثر على سلاسل الامداد، ويؤخر الشحنات الصناعية، ويضاعف تكاليف التأمين والنقل البحري، ما ينعكس مباشرة على الاسواق الاوروبية.
موجات لجوء جديدة
في حال توسعت الحرب إقليميا ً، خصوصا ً إذا شملت لبنان أو العراق أو أدت إلى انهيارات أمنية فإن أوروبا قد تواجه موجة لجوء جديدة، الخبرة السابقة في التعامل مع اللجوء السوري أظهرت أن أي اضطراب واسع في المشرق ينعكس سياسيا ً واجتماعيا ً داخل الاتحاد الاوروبي، ويغذي صعود التيارات اليمينية المتشددة.
التهديدات الامنية
قد تصبح المصالح الاوروبية في الشرق الاوسط عرضة للاستهداف في حال انخراط بعض الدول الاوروبية عسكريا ً أو لوجستيا ً في النزاع.
الانقسام داخل الاتحاد الاوروبي
من المرجح أن يظهر تباين في المواقف بين الدول الاوروبية حيال طبيعة الانخراط في الازمة.
قد تميل إلى دعم الموقف الاميركي الاسرائيلي بشكل واضح، بينما قد تدفع الدول الاخرى نحو مسار دبلوماسي أكثر توازنا ً، خوفا ً من تداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة.
تراجع الدور الاوروبي الدبلوماسي
أي انزالق إلى حرب شاملة سيضعف من قدرة أوروبا على لعب دور الوسيط، خاصة إذا تم تهميش المسارات الدبلوماسية لصالح الحسم العسكري، وهذا سيؤكد مرة أخرى محدودية الاستقلالية الاستراتيجية الاووروبية في ملفات الشرق الاوسط، في ظل أولوية القرار الاميركي.
تقدير خاص بأوروبا
بناءً على المعطيات، فإن أوروبا ليست طرفا ً مباشرا ً في المواجهة، لكنها ستكون من أكثر المتأثرين بها
أبرز المخاطر تتمثل في صدمة طاقة جديدة :
ضغط إقتصادي داخلي متصاعد ، تصاعد الاستقطاب الداخلي بين تيارات داعمة للتصعيد وأخرى داعية للتهدئة.
وعليه، من المرجح أن تسعى العواصم الاوروبية الكبرى إلى احتواء التصعيد ومنع
حرب طويلة، حفاظا ً على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، حتى وإن ظلت ملتزمة بالتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
خلاصة تقدير الموقف
تشير المعطيات إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة مفصلية تتسم بما يلي:
إرتفاع إحتمالات الانزلاق الى مواجهة إقليمية أوسع، صعوبة تحقيق هدف إسقاط النظام الايراني بسرعة أو عبر ضربة مركزة
، انتقال الصراع من مستوى الوكلاء إلى مستوى الاشتباك المباشر ، تزايد تأثير التنافس الدولي في توجيه مسارات التصعيد أو الاحتواء .
وعليه، فإن مسار الاحداث خلال المرحلة المقبلة سيتحدد وفق قدرة الاطراف على ضبط إيقاع الردع، ومدى استعداد القوى الدولية للتدخل إما لمنع الانفجار الشامل أو لاعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وفق مصالحها الاستراتيجية.