| | |

استشهدا كما عاشا معًا: معلّمَين أفنيا حياتهما لتربية الأجيال قبل استشهادهما

في المخيمات الفلسطينية في لبنان لا تُبنى البيوت فقط من حجارةٍ متواضعة وأسقفٍ متلاصقة، بل من قصص الناس الذين حوّلوا حياة اللجوء إلى فعل صمودٍ يومي.. هناك حيث يكبر الأطفال بين الأزقة الضيقة وذاكرة الوطن البعيد يصبح المعلمون أكثر من مجرد مربّين، يصبحون حراسًا للهوية وسدنةً للذاكرة وصانعي أملٍ لجيلٍ ولد في المنفى لكنه لم يتخلّ عن حلم العودة.

لهذا بدا قصف الاحتلال الذي استهدف شقة سكنية في مخيم البداوي شمال لبنان وكأنه يستهدف قصةً كاملة من العمل التربوي والإنساني، حين اغتال صاروخ إسرائيلي حياة الأستاذ الفلسطيني وإمام المسجد وسيم عطا الله العلي وزوجته المربية زينب توفيق أبو الحجل اللذين أفنيا سنوات عمرهما بين الصفوف الدراسية وحلقات القرآن منشغلين بتنشئة الأطفال وتعليمهم.

لم يكن البيت الذي سقط عليه الصاروخ موقعًا عسكريًا بل بيت معلمين كرّسا حياتهما لتنشئة الأجيال، كانت جدرانه تحفظ أصوات بناتهم آيات وآلاء الحافظات لقرآن الكريم وهنّ يردّدن الآيات وكانت أيامه تمتلئ بكتب الدراسة ومصاحف الحفظ قبل أن يتحول في لحظة واحدة إلى عنوان فاجعة جديدة في سجل المخيمات الفلسطينية.

حياة كاملة في خدمة التعليم والقرآن

على امتداد سنوات طويلة عرف أبناء مخيمي نهر البارد والبداوي اسم وسيم العلي معلمًا وإمامًا في الجوامع.. وسيم الذي ولد عام 1986 كان مدرساً في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، عرفه الطلاب معلمًا هادئًا  يشرح دروسه بصبرٍ ويعاملهم بروح الأب والمربي.

عمل مدرسًا في مدرسة جبل طابور ثم في مدرسة المزار في مخيم البداوي، وكان حضوره في الصف جزءًا من حياة يومية اعتادها طلابه الذين كانوا يرونه بعد انتهاء الدوام في المسجد.. هناك، كان العلي إمامًا يقود الصلاة ويجلس مع الأطفال والشباب في حلقات تحفيظ القرآن يصحح التلاوة ويشجعهم على الحفظ. وبالنسبة لكثير من طلابه، لم يكن مجرد معلم يشرح الدروس بل شخصًا يقف إلى جانبهم في تفاصيل حياتهم الصغيرة.

معلمة ترى التعليم رسالة

إلى جانب العلي كانت زوجته زينب أبو الحجل تسير في الطريق ذاته.. عملت معلمة في مدرسة نهر الأردن التابعة للأونروا أيضاً، حيث عرفها زملاؤها قريبة من الطلاب وتنظر إلى التعليم بوصفه رسالة إنسانية أكثر منه وظيفة.

لكن حضورها لم يكن محصورًا في المدرسة.. ففي دور التحفيظ كانت تشرف على تعليم الفتيات حفظ القرآن في حلقاتٍ خرجت عددًا كبيرًا من الحافظات، ومن بينهن بناتها اللواتي نشأن في بيتٍ كان القرآن فيه جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

فالبيت الذي عاش فيه الزوجان كان امتدادًا لرسالتهما.. بيتًا تكثر فيه المصاحف ودفاتر الطلاب وتُسمع فيه أصوات التلاوة أكثر مما تُسمع فيه الأحاديث العادية.

حين يصبح المعلم حارس الذاكرة

ففي المخيمات الفلسطينية حيث يعيش اللاجئون منذ أكثر من سبعين عامًا يصبح المعلم جزءًا من معركة الحفاظ على الهوية ولذلك كان وسيم وزينب ينظران إلى عملهما باعتباره مشروعًا تربويًا يتجاوز حدود الصفوف. كانا يرددان دائمًا أن المخيم ليس نهاية الطريق بل بوابة عبور نحو الوطن، وأن الجيل الذي يتعلم ويحفظ القرآن ويحمل العلم هو الجيل القادر على حمل القضية وحماية الذاكرة.. ولهذا كرّسا حياتهما لتنشئة الأطفال لا بوصفهم طلابًا فقط بل أبناء قضية.

شهر امتلأت أيامه بالقرآن

في رمضان بدا جدول وسيم العلي أكثر ازدحامًا من المعتاد.. فقد كان يؤمّ صلاة التراويح يوميًا في مسجد القدس في مخيم نهر البارد بينما كان يقود الصلاة في ليالٍ أخرى في مسجد الجليل، متنقلًا بين المساجد ليقضي معظم ليالي الشهر الفضيل في الإمامة وتلاوة القرآن.. تلك الليالي كانت امتدادًا طبيعيًا لحياة عاشها بين المصحف والطلاب.

أما زوجته زينب فقد تركت خلفها رسالة صغيرة تختصر حياتها كلها.. ففي إحدى المجموعات الخاصة بطالباتها في دار التحفيظ كتبت قبل فترة قصيرة من استشهادها رسالة تذكّرهن بموعد درس القرآن وتحثّهنّ على الالتزام بالحضور وعدم الغياب حتى تستمر رحلة الحفظ.

ثم أضافت كلمات تعبّر عن قناعتها العميقة بأن مجاهدة النفس لحمل وحفظ كتاب الله هي من أسمى أنواع الجهاد، وأن التمسك بالقرآن هو شكل من أشكال التضامن مع أهل فلسطين ونصرتهم.

ربما كانت كلمات بسيطة كتبتها معلمة لطالباتها لكنها بدت بعد رحيلها كأنها وصية أخيرة تركتها لمن تربوا على يديها.

جرح يتكرر في العائلة

لم يكن هذا الفقد الأول الذي تعيشه عائلة العلي.. فالشهيد وسيم العلي هو شقيق الشهيد سعيد عطا الله العلي الذي استشهد في المخيم ذاته أيضًا بعد استهداف الاحتلال للشقة التي كان يقيم فيها ما أدى إلى استشهاده مع زوجته وأطفاله.. حينها سار وسيم في الجنازة حاملاً جثمان أبناء أخيه، غير مدرك المشهد ذاته سيتكرر في العائلة نفسها وفي المخيم ذاته وبنفس الطريقة الهمجيّة.

ما يبقى بعد القصف

اليوم بعد أن انطفأ صوت وسيم العلي في المسجد وغاب حضور زينب أبو الحجل عن الصفوف وحلقات التحفيظ، يبقى في المخيم ما لا يمكن للقصف أن يمحوه.. لهذا حين يسأل الناس في المخيم عن وسيم وزينب قد يبدأ الحديث من القصف الذي أنهى حياتهما لكنه غالبًا ينتهي عند شيءٍ آخر تمامًا.. ينتهي عند الطلاب الذين تركوهما خلفهما والآيات التي ما زالت تُتلى والدروس التي لم تنتهِ برحيل المعلّمَين.

موضوعات ذات صلة