لم يكن “أحمد الصديق” مجرد إسم عابرٍ في ميادين العلمِ والعطاء، بل كان نبضاً فلسطينياً لا يهدأ، صاغَ من اسمهِ عهداً ومن رفقتهِ وطناً لكل من عرفه، وحين امتزج عبقُ الصيامِ بنسيمِ الشهادةِ في قلب مدينة صيدا، تولدت حكايةُ ارتقاءٍ تليقُ بقلبٍ لم يعرف سوى الصدقِ طريقاً، فغادر “أبو محمد” شهيداً بجسدهِ ليبقى أثراً حياً في ذاكرةِ القدسِ، ونبعاً للخيرِ لا ينضبُ في وجدانِ محبيه، مختتماً مسيرةً حافلةً بالتضحيةِ بمسكِ الشهادةِ .
لقد كان “أبو محمد” نموذجاً فريداً للفلسطيني الذي يحمل همّ وطنه بين ضلوعه كما يقول كل من عرفه، فامتلك قلباً متصلاً بالله دوماً، ووجهاً مبتسماً هادئاً لا تفارقه السكينة حتى في أحلك الظروف، وعرفوه صاحب الهمة والأدب الرفيع.
هو الأخ الحبيب والصديق الذي لم يكن اسمه “الصديق” مجرد كنية، بل كان تجسيداً لنقاء سريرته وصدق انتمائه، فكان رجلاً ترك في كل ميدان أثراً طيباً لا يمحوه الغياب، ونجماً ساطعاً في سماء العمل الشبابي والطلابي الفلسطيني في لبنان.
وفي ميادين العلم والبناء، كبر أحمد وكبر معه حب القضية، فآمن يقيناً أن معركة التحرير تبدأ من صياغة العقول وبناء الأجيال، فكان القدوة المخلصة والرائد في العمل النقابي والطلابي.
كرس حياته لخدمة الطلاب الفلسطينيين مؤمناً بأن سلاح العلم هو الطريق نحو العودة والحرية، فبنى جيلاً واعياً متمسكاً بهويته، وسهر على أمانات الناس وثقتهم بكل اقتدار، ليكون بحق مدرسة في الإخلاص والتضحية، ومنارة تضيء درب السائرين نحو فلسطين.
هكذا تودع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الشهيد الصديق بقلوب راضية بقضاء الله وقدره، لتؤكد مجدداً أن دماءه الطاهرة ستبقى منارة توقد الإصرار على مواصلة طريقه.
ستبقى سيرة الشهداء عبقاً يفوح في أزقة المخيمات وقاعات العلم وميادين العطاء والخير، فما غادر الصديق إلا ليزرع الإصراراً في القلوب على إكمال الطريق الذي رسمه بصدق قلبه ونقاء سريرته، ليرحل بجسده ويبقى أثره منارةً تهدي الأجيال ومعلماً يرسخ في الأذهان أن الرجال الصادقين لا يغيبون بل يخلدهم التاريخ بشرف الموقف وعظمة التضحية.