في صفّ مدرسي تحوّل على عجل إلى مأوى مؤقت تجلس أم فلسطينية قرب أطفالها محاولةً أن تُخفّف قسوة المكان، تفرد بطانية على الأرض وتجمع بعض الحقائب الصغيرة في زاوية الصف ثم تهمس لابنها بأن كل شيء سيكون بخير رغم أنها لا تعرف إن كان ذلك صحيحًا. بهذا المشهد تبدأ حكاية كثير من النساء الفلسطينيات في لبنان اليوم في ظل تصاعد المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.. نساء يجدن أنفسهن مرة أخرى في مواجهة النزوح والخوف بينما يحاولن إبقاء عائلاتهن متماسكة وسط واقع غير مستقر.
يتزامن ذلك مع اليوم العالمي للمرأة، لكن بالنسبة لنساء المخيمات الفلسطينية في لبنان لا يبدو هذا اليوم مناسبة للاحتفال بقدر ما هو تذكير بقصة طويلة من الصمود فحياة المرأة هنا ليست مجرد يوميات عادية، بل مواجهة مستمرة مع الأزمات ومحاولة دائمة للحفاظ على استقرار هش داخل العائلة.
الأم في مواجهة النزوح
مع تصاعد التوترات الأمنية في جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة اضطرت مئات العائلات الفلسطينية إلى مغادرة منازلها بحثًا عن الأمان، وتشير معطيات إلى أن مراكز الإيواء الطارئة استقبلت نحو 1300 نازح خلال الأيام الماضية. داخل هذه المراكز المؤقتة تحاول النساء التأقلم سريعًا مع واقع جديد، ففي المساحات الضيقة التي تحولت إلى أماكن للنوم تبدأ مهمتهن من أبسط التفاصيل: ترتيب مكان للنوم ومحاولة طمأنة الأطفال الذين يسألون عن بيوتهم التي تركوها خلفهم.
ذاكرة النساء التي أعادت بناء المخيم
لكن معاناة النساء اليوم لا تنفصل عن تاريخ طويل من الحروب التي عرفتها المخيمات الفلسطينية في لبنان، ففي مخيم عين الحلوة ما تزال الذاكرة الجماعية تحتفظ بقصص النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مراحل سابقة أمام مهمة إعادة بناء ما دمرته المواجهات.. بعد تلك الحروب حملت نساء المخيم عبء إعادة الحياة إلى الأزقة المتضررة حيث رمّمن البيوت ونظمن حياة العائلات وسعين إلى إبقاء المجتمع متماسكًا رغم الظروف القاسية.
لم يكن ذلك مجرد إعادة إعمار لجدران مهدمة بل محاولة لإعادة الحياة إلى مخيم حاولت الحروب كسره مرارًا.
صمود يتوارثه جيل بعد جيل
ورغم مرور السنوات ما تزال المرأة الفلسطينية في لبنان تؤدي الدور نفسه بصمت، ففي ظل الأزمات الاقتصادية والقيود التي يواجهها اللاجئون تتحمل النساء في كثير من الأحيان العبء الأكبر في إدارة حياة العائلة ولا تبدو هذه التجربة جديدة في تاريخ النساء الفلسطينيات، فمنذ النكبة الفلسطينية 1948 وما رافقها من تهجير جماعي لعبت المرأة دورًا أساسيًا في حماية العائلة خلال رحلة اللجوء الطويلة.. حملت الأمهات الأطفال على الطرقات وحاولن الحفاظ على ما تبقى من الحياة بعد فقدان البيوت والقرى.
في المخيمات الفلسطينية في لبنان تنتقل تجربة الصمود من جيل إلى آخر فالحكايات التي سمعتها الأمهات عن قوة الجدّات في سنوات اللجوء الأولى تتحول اليوم إلى تجربة تعيشها بناتهن.
ورغم قسوة الظروف تواصل النساء حماية عائلاتهن والحفاظ على تماسك المجتمع، ففي الأزقة الضيقة للمخيمات يتجلى شكل مختلف من النضال.. نضال يومي تقوده نساء اعتدن مواجهة الأزمات دون أن يتخلين عن الأمل.