لفهم المخاوف العربية من الحرب الدائرة اليوم في المنطقة، لا بد أولًا من التوقف عند الخلفية التاريخية والسياسية التي تحكم العلاقة بين العرب وإيران من جهة، وبين العرب وإسرائيل من جهة أخرى.
فالعلاقة العربية مع إيران، سواء في عهدها الإمبراطوري القديم أو في عهد الجمهورية الإسلامية الحديثة، ظلت محكومة بهاجس التمدد الإيراني في المجال العربي.
وقد عززت أحداث العقود الأخيرة هذه المخاوف، خاصة مع ازدياد النفوذ الإيراني في عدد من الساحات العربية. ومع ذلك، فإن القيادة الإيرانية دأبت في خطابها الرسمي على نفي وجود مشروع توسعي يستهدف العالم العربي، مؤكدة أن حضورها في المنطقة يأتي في إطار تحالفات سياسية أو أمنية مع قوى محلية، وليس ضمن مشروع إمبراطوري مباشر.
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة إلى حد كبير في الخطاب الإسرائيلي. فعدد من القادة والمفكرين في إسرائيل لم يخفوا، في مناسبات متعددة، تصوراتهم لمجال نفوذ إسرائيلي واسع في المنطقة، وهو ما يرتبط أحيانًا بفكرة ما يسمى بـ”إسرائيل الكبرى”، أو على الأقل بترسيخ هيمنة استراتيجية إسرائيلية على الشرق الأوسط.
ومن هنا تنشأ المفارقة التي تقلق العديد من المراقبين في العالم العربي: فبينما يتركز القلق التقليدي على التمدد الإيراني، يغيب أحيانًا النقاش العميق حول السيناريو الآخر، وهو احتمال انتصار إسرائيلي كامل في الصراع الإقليمي الجاري.
فإذا ما نجحت إسرائيل، بدعم غربي، في إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، بل وحتى في الدفع نحو تغيير القيادة في إيران نفسها واستبدالها بقيادة موالية لها أو منسجمة مع مشروعها الإقليمي، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تشكل نظام إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة بلا منازع.
وفي مثل هذا السيناريو، قد لا يقتصر الأمر على تحييد إيران كخصم، بل قد يتحول إلى توظيفها – أو جزء من قدراتها – كركيزة إضافية في مشروع إقليمي أوسع، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوء نوع من الهيمنة المشتركة أو الإمبراطورية غير المعلنة على حساب دول المنطقة العربية ومصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا تبرز معضلة حقيقية أمام الدول العربية: هل يكمن الخطر الأكبر في استمرار التنافس والصراع مع إيران، أم في احتمال تفرد إسرائيل بالقوة والنفوذ في حال انهيار موازين الردع الإقليمية الحالية؟
هذا السؤال يفتح الباب أمام تفكير مختلف، يقوم على مبدأ إدارة التوازنات بدل الرهان على إسقاط أحد الأطراف بشكل كامل. فالحفاظ على توازن إقليمي، مهما كان معقدًا، قد يكون في بعض الأحيان أقل كلفة على المنطقة من نشوء هيمنة مطلقة لطرف واحد.
أولًا: سيناريو انتصار إيران
في حال انتهت المواجهة الإقليمية بانتصار إيراني واضح، سواء عسكريًا أو سياسيًا، فمن المرجح أن يترسخ نفوذ إيران في عدد من الساحات التي تشهد حضورًا لها أصلًا. وقد ترى بعض القوى العربية في ذلك تكريسًا لما تعتبره تمددًا إيرانيًا داخل المجال العربي.
غير أن هذا السيناريو لا يخلو من جوانب مختلفة.
فإيران، في حال خرجت منتصرة من مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو مع تحالف واسع يدعمها، قد تجد نفسها أمام واقع سياسي جديد يفرض عليها الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة تثبيت الاستقرار الإقليمي.
وفي هذه الحالة، قد تكون أكثر استعدادًا لعقد تفاهمات واضحة مع الدول العربية الكبرى، تقوم على مبدأ تبادل المصالح والاعتراف المتبادل بالمجالات الحيوية.
كما أن انتصار إيران قد يحافظ على حالة التوازن في المنطقة، بحيث تبقى هناك قوة إقليمية قادرة على ردع إسرائيل ومنعها من الانفراد بتحديد مستقبل الشرق الأوسط. وبالنسبة لبعض صناع القرار في العالم العربي، فإن وجود توازن في القوة قد يكون عنصر استقرار، حتى لو كان هذا التوازن غير مريح سياسيًا.
لكن في المقابل، يبقى التحدي الأكبر أمام العرب في هذا السيناريو هو كيفية إدارة العلاقة مع إيران بطريقة تقلل من الاحتكاكات الطائفية والسياسية، وتحوّل العلاقة من صراع نفوذ إلى إطار تعاون إقليمي منظم يقوم على احترام السيادة وعدم التدخل.
ثانيًا: سيناريو انتصار إسرائيل
أما السيناريو الآخر، وهو انتصار إسرائيل في الصراع الإقليمي، فقد يكون أكثر تعقيدًا وخطورة بالنسبة لمستقبل المنطقة العربية.
فانتصار إسرائيل لا يعني فقط تحييد خصم إقليمي قوي مثل إيران، بل قد يؤدي إلى اختلال كامل في موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي ظل غياب قوة إقليمية قادرة على موازنة إسرائيل، قد تجد الدول العربية نفسها أمام واقع سياسي جديد تكون فيه إسرائيل الطرف الأقوى عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا بشكل غير مسبوق.
وقد يترتب على ذلك تعزيز مشاريع الهيمنة الإقليمية، سواء عبر تحالفات أمنية واقتصادية تقودها إسرائيل، أو عبر فرض ترتيبات سياسية جديدة على المنطقة. وفي مثل هذا الوضع، قد تتقلص قدرة الدول العربية على التأثير في القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
والأخطر من ذلك أن انتصارًا إسرائيليًا كاسحًا قد يشجع تيارات داخل إسرائيل تدعو إلى توسيع النفوذ الجغرافي أو السياسي في المنطقة، مستندة إلى التفوق العسكري والدعم الغربي المستمر.
خاتمة
بين هذين السيناريوهين، تقف الدول العربية أمام معادلة معقدة لا يمكن التعامل معها بمنطق العواطف أو الاصطفافات التقليدية فقط. فالمصلحة الاستراتيجية الحقيقية قد تكمن في العمل على منع أي طرف من تحقيق هيمنة مطلقة على المنطقة.
ومن هنا قد يصبح الخيار الأكثر عقلانية هو السعي إلى بناء نظام إقليمي قائم على التوازن والتفاهمات المتبادلة، بحيث لا تتحول المنطقة إلى ساحة نفوذ حصرية لقوة واحدة، بل إلى فضاء تتعايش فيه القوى المختلفة ضمن قواعد واضحة تحترم سيادة الدول ومصالح شعوبها.