في الأسابيع والأشهر الأخيرة، لم تعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية مجرد أحداث متفرقة يمكن تفسيرها على أنها انفلات لعصابات متطرفة هنا أو هناك.
ما نشهده يتجاوز ذلك بكثير؛ نحن أمام ظاهرة تتصاعد بوتيرة مقلقة، تتسم بدرجة غير مسبوقة من الشراسة والجرأة، وكأن الضفة الغربية دخلت مرحلة جديدة يُستخدم فيها العنف الاستيطاني كأداة مباشرة لإعادة تشكيل الواقع على الأرض.
حين تهاجم مجموعات من المستوطنين قرىً فلسطينية، وتحرق البيوت والمركبات، وتعتدي على المزارعين في حقولهم وتقتلهم ، وتستهدف الزيتون الذي يمثل ذاكرة الأرض وهوية المكان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: لماذا يحدث هذا؟ بل: ماذا يريد هؤلاء فعلاً؟ ما الذي تسعى إليه هذه الاعتداءات المتكررة التي باتت شبه يومية؟
في جوهر الأمر، يبدو أن الهدف يتجاوز الاعتداء بحد ذاته. فالعنف والارهاب هنا ليس مجرد فعل غضب أو تعصب، بل أداة ضغط نفسية واجتماعية تسعى إلى كسر شعور الأمان لدى الفلسطيني، ودفعه إلى الشعور بأن وجوده في أرضه أصبح مكلفًا إلى حد لا يُحتمل. إنها محاولة لصناعة بيئة طاردة للحياة الفلسطينية في القرى والمناطق الريفية، تمهيدًا لفرض وقائع استيطانية جديدة تتقدم خطوة بعد خطوة.
ولعل ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو التحول في طبيعة هذا العنف. ففي السابق، كانت الاعتداءات الاستيطانية موجودة بلا شك، لكنها غالبًا ما كانت محصورة في نطاقات محددة أو أحداث موسمية مرتبطة بالتوترات السياسية. أما اليوم، فنحن أمام نمط أكثر انتشارًا وتنظيمًا، يترافق مع خطاب سياسي متشدد يضفي على هذه الممارسات نوعًا من الشرعية الضمنية، ويمنح منفذيها شعورًا متزايدًا بالإفلات من المساءلة.
لكن قراءة المشهد الفلسطيني عبر عدسة اللحظة فقط قد تكون مضللة. فهذه الأرض شهدت عبر تاريخها الطويل موجات متعددة من القهر والعنف والاقتلاع، ومع ذلك ظل الفلسطيني حاضرًا فيها، يعيد بناء حياته في كل مرة، ويجد طرقًا جديدة للصمود والبقاء. إن العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ليست مجرد علاقة ملكية أو إقامة، بل علاقة هوية وذاكرة ووجود.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة هذه الاعتداءات، بل في كيفية تحويل لحظة الألم إلى لحظة وعيٍ وصمود. فالمعركة في جوهرها ليست فقط على الأرض، بل على الإرادة. وكلما نجح الفلسطيني في الحفاظ على حضوره في أرضه، وفي حماية نسيجه الاجتماعي، وفي تعزيز تضامنه الداخلي، فإنه يبدد الهدف الأساسي الذي يسعى إليه هذا العنف: دفع الناس إلى اليأس أو الرحيل.
إن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات التي تتمسك بأرضها ووعيها وهويتها تمتلك قدرة استثنائية على الصمود، حتى في أصعب الظروف. وربما تكون الرسالة الأعمق في هذه اللحظة أن الفلسطيني، رغم كل ما يواجهه من عنف وضغط، ما زال يرى في البقاء على أرضه فعل مقاومة بحد ذاته، وخيارًا وجوديًا لا يمكن التراجع عنه. ففي نهاية المطاف، قد يستطيع العنف أن يجرح الجسد، لكنه نادرًا ما ينجح في كسر إرادة شعب يعرف جيدًا لماذا يتمسك بأرضه، ولماذا يصر على البقاء فيها.