صدى الشتات- فاديا منصور
مع تصاعد موجة النزوح نتيجة الحرب الدائرة في لبنان، تحوّل مخيم نهر البارد شمالي البلاد إلى محطة احتضان إنساني للعائلات الوافدة، حيث بادر أهالي المخيم وأبناؤه منذ اللحظات الأولى إلى فتح بيوتهم ومدارسهم أمام النازحين، في محاولة للتخفيف من معاناتهم وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش.
وفي ظل غياب واضح لدور المؤسسات المعنية وضعف الاستجابة الرسمية، برزت المبادرات الشبابية والأهلية كرافعة أساسية لدعم العائلات، عبر تأمين المأوى ووجبات الطعام والملابس والاحتياجات اليومية، في مشهد يعكس روح التكافل والتضامن التي يتمسّك بها أبناء المخيم في أوقات الأزمات.

جال موقع صدى الشتات داخل المخيم، ورصدت آراء عدد من الناشطين وأهالي المخيم حول واقع الاستجابة الشعبية والإنسانية لدعم النازحين.
مبادرات شبابية لسدّ الفراغ الإغاثي
يقول الناشط الشبابي في مخيم نهر البارد إياد عمر إن أبناء المخيم شعروا منذ اللحظة الأولى بمسؤوليتهم الإنسانية والأخلاقية تجاه العائلات النازحة، مؤكدًا أن العديد من الأهالي بادروا إلى فتح بيوتهم لاستقبال العائلات، فيما عمل آخرون على تأمين الاحتياجات الأساسية ضمن الإمكانيات المتاحة.

ويشير عمر إلى أن غياب دور وكالة الأونروا والمرجعية الفلسطينية، إلى جانب تراجع دور الفصائل، دفع الشباب إلى تحمّل مسؤولية مباشرة في الاستجابة للاحتياجات الملحّة. ويوضح أنه جرى فتح بعض المدارس لاستقبال العائلات، إلى جانب إطلاق مبادرات لجمع التبرعات وتأمين وجبات الإفطار والسحور خلال شهر رمضان.
المخيم يحتضن الوافدين بروح الأخوّة
من جهته، يؤكد هشام لوباني، من أهالي مخيم نهر البارد، أن ما يقدّمه أبناء المخيم نابع من قيمهم الأصيلة، مشيرًا إلى أن النازحين يُعاملون كأهل وإخوة داخل المخيم، وليس كنازحين أو غرباء.

ويلفت إلى أن الوجع المشترك الذي يعيشه أبناء المنطقة يعزز مشاعر التضامن بينهم، موضحًا أن أبناء المخيم يسعون إلى تقديم ما يستطيعون من دعم ومساندة، خاصة للأطفال والعائلات التي تحتاج إلى احتياجات أساسية.
ذاكرة النكبة تدفع نحو التضامن
بدوره، يشير ماهر إسماعيل إلى أن تجربة نكبة مخيم نهر البارد ما تزال حاضرة في ذاكرة أبنائه، وهو ما يجعلهم أكثر إحساسًا بمعاناة الآخرين وأكثر استعدادًا للوقوف إلى جانبهم.
ويؤكد إسماعيل أن المخيم لن يتأخر في تقديم ما يستطيع ضمن الإمكانيات المتاحة، داعيًا المؤسسات والجهات المعنية إلى تفعيل خطط الطوارئ والاستجابة الإنسانية بشكل فعلي، بما يسهم في تلبية الاحتياجات المتزايدة للعائلات المتضررة.

واقع الإيواء واحتياجات العائلات
من جانبه، يوضح الناشط الشبابي أحمد الشاعر أن المبادرات التي يشهدها المخيم انطلقت بشكل أساسي من الشباب، الذين تولوا متابعة أوضاع العائلات النازحة المقيمة في المدارس أو داخل البيوت.
ويشير إلى أن المخيم استقبل عائلات قادمة من الجنوب وبيروت وصيدا، حيث جرى العمل على تأمين وجبات الطعام والملابس والاحتياجات الأساسية، بمشاركة واسعة من أهالي المخيم، ولا سيما النساء اللواتي بادرن إلى جمع الملابس من المنازل وتوزيعها على المحتاجين.

ويضيف الشاعر أن أكثر من أربعين عائلة تقيم حاليًا داخل المدارس، ويبلغ عدد أفرادها أكثر من 150 شخصًا، بينهم عدد كبير من الأطفال الذين يحتاجون إلى ملابس ومستلزمات أساسية، لافتًا إلى وجود بعض التحديات.
دعوات لعدم استغلال الأزمة
وفي السياق نفسه، يدعو الناشط الشبابي علي الحاج إلى تكامل الجهود بين المبادرات الشبابية والمؤسسات والجمعيات القادرة على تقديم الدعم، مؤكدًا أن حجم الاحتياجات يتجاوز قدرة المبادرات الفردية.

كما وجّه عبد وهبة نداءً إلى أصحاب الشقق في المخيم بعدم رفع الإيجارات أو استغلال الظروف الصعبة للعائلات الوافدة، مشددًا على أن التضامن الحقيقي يكون من خلال تخفيف الأعباء عن الناس، لا زيادتها.
تضامن يعكس وحدة المصير
بدوره، يؤكد شادي دياب أن ما يجري داخل مخيم نهر البارد يعكس عمق الروابط الإنسانية بين الناس، مشيرًا إلى أن أبواب البيوت فُتحت بالفعل أمام العائلات الوافدة، في تعبير واضح عن روح التضامن التي يتمسك بها أبناء المخيم.
ويضيف أن هذا الاحتضان يعكس وحدة المصير بين الفلسطينيين واللبنانيين، ويؤكد أن قيم التكافل تبقى حاضرة بقوة في أوقات الأزمات.
ورغم محدودية الإمكانيات وغياب الدعم الكافي من الجهات المعنية، يواصل أهالي مخيم نهر البارد ومبادراته الشبابية تقديم ما يستطيعون من دعم للعائلات النازحة، في مشهد يعكس قوة التكافل الاجتماعي داخل المخيم. وبين المبادرات الفردية والجهود الأهلية، يبقى الأمل قائمًا بأن تتعزز الاستجابة الإنسانية وتتكامل الجهود الرسمية والشعبية لتخفيف معاناة العائلات المتضررة في هذه المرحلة الصعبة.