في أزقة مخيم البرج الشمالي للاجئين الفلسطينيين في مدينة صور جنوب لبنان، اجتمع المئات من أبناء المخيم لتشييع الشاب الفلسطيني هادي عبد الرحمن، الذي ارتقى خلال الحرب الدائرة في لبنان، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الحزن بالفخر، واستعاد فيه المخيم ذاكرة طويلة من الوداع.
وصل جثمان الشهيد إلى مدخل المخيم حيث كان بانتظاره حشد من الأهالي الذين تجمعوا لاستقباله وإلقاء التحية الأخيرة عليه. وعلى وقع الهتافات الوطنية، نُقل الجثمان إلى منزل عائلته داخل المخيم، حيث ألقى أفراد العائلة والأصدقاء والجيران نظرة الوداع الأخيرة.
داخل المنزل، خيّم الصمت الثقيل على المكان، فيما وقف المشيعون في طوابير طويلة لوداع الشهيد، في لحظة بدت فيها الكلمات أقل قدرة على التعبير عن حجم الفقد.

أم الشهيد: بين الفخر والحزن
وبمزيج من الفخر والحزن، استقبلت والدة الشهيد هادي عبد الرحمن نبأ استشهاد ابنها، بينما كانت تتلقى التعازي في منزل العائلة داخل المخيم.
وقالت إن وقع الخبر كان قاسياً، لكن عزاءها أن ابنها رحل وهو يحمل قضية شعبه، مؤكدة أن أبناء المخيم اعتادوا أن يكبروا وهم يحملون همّ فلسطين في قلوبهم.
وأضافت أن فقدان الابن لا يمكن أن يُعوّض، إلا أن التفاف أبناء المخيم حول العائلة ومشاركتهم لحظة الوداع يخفف من وطأة الفقد، معبرة عن أملها بأن تكون دماء الشهداء طريقاً نحو الحرية والعودة.
تشييع في أزقة المخيم
بعد إلقاء نظرة الوداع، انطلق موكب التشييع في شوارع المخيم الضيقة، حيث حُمل الجثمان على الأكتاف وسط مشاركة واسعة من أبناء المخيم وممثلين عن الفصائل الفلسطينية واللجان الشعبية والفعاليات الاجتماعية.
خلال التشييع صدحت الهتافات الوطنية التي تؤكد التمسك بالحقوق الوطنية ووحدة المصير في مواجهة الاحتلال.
كما شارك في التشييع أبناء من المخيمات الفلسطينية في منطقة صور، في مشهد عكس حالة التضامن بين اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان.

وحدة المصير الفلسطيني اللبناني
وخلال التشييع، أكد مسؤول حركة فتح في مخيم البرج الشمالي باسل أبو شهاب أن دماء الشهداء الفلسطينيين واللبنانيين تختلط اليوم في مواجهة الاحتلال.
وقال إن هذه التضحيات المشتركة تعكس وحدة المصير بين الشعبين الفلسطيني واللبناني، مشدداً على أن هذا الطريق سيستمر حتى تحقيق الحرية والتحرير وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
وأضاف أن المخيمات الفلسطينية لطالما كانت جزءاً من معاناة المنطقة، وقدمت عبر تاريخها الطويل تضحيات كبيرة إلى جانب الشعب اللبناني.
المخيمات في قلب الأزمات
يأتي تشييع الشهيد هادي عبد الرحمن في وقت تعيش فيه المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان ظروفاً إنسانية واقتصادية صعبة، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على حياة اللاجئين.
ويواجه سكان المخيمات تحديات متزايدة، من تراجع فرص العمل إلى الضغوط المعيشية المتصاعدة، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان وتراجع الخدمات الأساسية المقدمة للاجئين.
ورغم هذه الظروف، تبقى المخيمات مساحة للصمود، حيث تتجدد فيها مشاهد التضامن بين السكان في اللحظات الصعبة.
وداع أخير
وانتهى موكب التشييع عند مقبرة مخيم البرج الشمالي، حيث وُري جثمان الشهيد الثرى وسط مشاركة واسعة من الأهالي.
هناك، وقف المشيعون لوداع أخير، قبل أن يغادروا المقبرة بوجوه يعلوها الحزن، فيما بقي اسم الشهيد حاضراً في ذاكرة المخيم الذي اعتاد أن يودّع أبناءه في محطات مختلفة من تاريخه