شهد مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، المتاخم للضاحية الجنوبية لبيروت، واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخه المعاصر، حيث تُشير التقديرات الميدانية إلى أن نحو 60% من سكان المخيم قد غادروا منازلهم فعلياً بحلول منتصف شهر مارس الجاري، وذلك في أعقاب سلسلة من إنذارات التهديد الإسرائيلية التي أثارت حالة عارمة من الهلع والرعب.
تتقاطع الشهادات الحية مع البيانات الرسمية لترسم صورة مأساوية لهذا النزوح حيث بدأت الموجة الكبرى في 5 مارس 2026 مع مغادرة آلاف العائلات الفلسطينية خلال ساعات معدودة، مفترشة الشوارع، والساحات العامة، وشواطئ البحر في مناطق عين المريسة والبيال ببيروت.
وفقاً لتقارير وكالة “الأونروا” الصادرة في 12 مارس، تم تسجيل ما يزيد عن 1,500 نازح فلسطيني في مراكز الإيواء الرسمية (مثل سبلين ومخيمات الشمال)، بينما الغالبية العظمى من النازحين لجأت إلى الأقارب أو استأجرت غرفاً مشتركة.
يأتي هذا النزوح ضمن أزمة نزوح واسعة، حيث سجلت السلطات اللبنانية أكثر من 830 ألف نازح في عموم البلاد منذ تصاعد العمليات العسكرية في أوائل مارس.
داخل أزقة المخيم، تباينت مواقف الأهالي بين من أجبرته الظروف على الرحيل ومن اختار “كرامة البقاء”، ويصف اللاجئون في شهاداتهم رحلة الخروج بأنها تشريد صعب في ظل غياب مراكز الإيواء المجهزة، خاصة مع تزامن هذه الأحداث مع شهر رمضان المبارك، حيث يواجه النازحون البرد والجوع دون الحد الأدنى من المقومات الإنسانية.
في المقابل، يبرز تيار من الصمود يرفض مغادرة المخيم تحت أي ظرف، معتبرين أن “الموت في البيوت أكرم من الموت على الطرقات”، ويعبر هؤلاء عن حالة الصمود المستمدة من تجربة أهل غزة، مؤكدين أن المخيم يبقى رمزاً للمقاومة والوجود رغم الدمار المحيط به من كل جانب في الضاحية الجنوبية.
وفي ظل هذه التحديات يخشى المتبقون في المخيم من أن يؤدي القصف العنيف للمباني المجاورة في حارة حريك والبرج إلى انهيارات داخل أزقة المخيم الضيقة نتيجة الارتجاجات والضغط، مما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني لآلاف العائلات التي لا تزال ترفض النزوح، أو تلك التي عادت مجدداً بعد أن عجزت عن إيجاد مأوى آمن في الخارج.
وعلى مقلب آخر، يسود استياء عارم بين سكان مخيم برج البراجنة تجاه أداء وكالة “الأونروا”، حيث يصف الكثيرون دورها الحالي بالمقصر الذي لا يرتقي لمستوى الحالة الطارئة.
فبينما تتوقف عجلة الحياة نتيجة الحرب، يجد الأهالي أنفسهم في مواجهة مصيرهم بمفردهم دون تدخل إغاثي ملموس أو خطة طوارئ حقيقية تؤمن احتياجات من بقي منهم، سواء على صعيد المساعدات الغذائية المتعثرة أو الخدمات الطبية المحدودة.
ويرى السكان أن غياب الوكالة عن الميدان في هذه اللحظات الحرجة، واكتفاءها بإصدار بيانات، يعمق من مأساتهم في مواجهة الجوع والقصف بلا سند، مما يضع علامات استفهام كبرى حول مسؤولية المنظمة الدولية تجاه اللاجئين في أصعب اختبارات بقائهم.