الحرب على إيران إلى أين؟

الكاتبد. عقل صلاح

تعد هذه الحرب المشتعلة شبيهة إلى حد ما في الحرب السابقة التي قامت بها إسرائيل ضد طهران في حزيران/يونيو الماضي والتي استمرت 12 يومًا، وعندما انتهت الحرب جاءت بنفس طريقة تصريح وتمهيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب، ولكن هذه الحرب المستمرة أشد قساوة من سابقتها، حيث استطاعت إيران في أول يوم للحرب استيعاب والتغلب ومغادرة الصدمة والترويع الذي استخدمته أمريكا وإسرائيل في الضربة الأولى صبيحة يوم السبت 28 شباط/فبراير 2026، من خلال اغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي مع العديد من القادة العسكريين من الصف الأول، وقصف العديد من المراكز والمدارس المدنية التي راح ضحيتها العشرات من الطالبات والمدنيين، وتعد هذه الضربات هي أكبر حملة جوية مكثفة منذ أكثر من عقدين، حيث فاقت جميع الضربات التي حصلت في حرب الـ 12 يوم الماضية. حيث أعلن الرئيس ترامب بدء “عمليات قتالية كبرى” بهدف شل قدرات النظام الإيراني، فاستهدفت الضربات مراكز القيادة والسيطرة، ومقار أمنية، ومنشآت تابعة للحرس الثوري، بالإضافة إلى مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي ومنظومات الدفاع الجوي، وركزت الضربات الأمريكية على تدمير منصات الصواريخ الباليستية، والوحدات البحرية، والبنية التحتية لإنتاج الصواريخ، وصرح الرئيس ترامب بأن الهدف السياسي والأساسي هو “تغيير النظام” وتحفيز الشعب الإيراني والجيش على الانقلاب ضد القيادة الحالية، معتبرًا أن هذه هي “الفرصة الوحيدة” لتحقيق ذلك، وتم اعتماد التكتيك العسكري الأمريكي الذي يعتمد على استخدام القوة المفرطة والسرعة الهائلة لتدمير إرادة “العدو” القتالية وإصابته بالشلل التام في الساعات الأولى من المواجهة.

ويذكر أن هذه الحرب جاءت مباشرة بعد فضائح جزيرة إبستين التي تطال الرئيس ترامب والعديد من القادة، وهي فضائح من العيار الثقيل هزت الإدارة الأمريكية، بالإضافة إلى ظهور العديد من الملفات التي يمكن أن يعزل على أثرها ترامب وبل يسجن. فيقال بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ساوم ترامب للقيام بهذه الحرب للتعتيم على الفضائح ونسيان الشارع الأمريكي لهذه الملفات التي تلاحقه، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن في 8 آذار/مارس الحالي الذي صرح بأن “إسرائيل ضغطت على الرئيس باراك أوباما الأسبق لضرب إيران وهددت بالتحرك منفردة إذا رفض، إلا أن أوباما اختار الدبلوماسية بديلا عن الحرب، ويروي بلينكن تفاصيل الضغوط الإسرائيلية على أوباما لضرب إيران، مؤكدا أن تل أبيب كانت تحذر “سنفعلها بأنفسنا إذا لم تقم واشنطن بذلك”. بالفعل، ترتبط الحرب الجارية بالتوقيت الزمني مع الكشف الضخم عن “ملفات إبستين” التي ورد فيها اسم الرئيس ترامب آلاف المرات، لذلك قام ترامب بالتصعيد العسكري كاستراتيجية لـ صرف الانتباه ونظر الإعلام والجمهور عن الفضائح المتصاعدة في ملف إبستين، بل محاولة سياسية للهروب من المأزق القانوني والشعبي الذي وضعته فيه هذه الوثائق، حيث واجهت إدارة ترامب ضغوطًا داخلية واتهامات بالتستر على شركاء إبستين، بينما طالت الفضائح أيضًا مسؤولين في إدارته مثل وزير التجارة هاوارد لاتنيك. وهذا ما يؤكده النائب أندريه كارسون، عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي، الذي ربط بين الحرب ضد إيران وبين محاولات الإدارة الأمريكية التغطية على ملفات قضائية شائكة.

إلا أن يران تخطت هذه الكارثة واستطاعت توجيه ضربات قوية ومدمرة للقواعد العسكرية والمراكز الأمريكية في دول الخليج والشرق الأوسط، وأخرجتها عن الخدمة بسبب الدمار الذي حل بها وتم استهداف قلب إسرائيل وبالتحديد تل أبيب التي تعتبر العاصمة التكنولوجية والدبلوماسية والثقافية وعاصمة المال وهي من أغلا مدن العالم، فكان ومازال أداء إيران في هذه الحرب مميزًا وشكل صدمة لكل من نتنياهو والرئيس ترامب الذي كان يريد من إيران الاستسلام وتغيير النظام والانهيار وعدم استيعاب وتخطي الضربة الأولى القاسية.

إلا أن إيران على المستوى السياسي عكست الموقف المتماسك والصامد، وعلى المستوى الشعبي خروج الشعب الإيراني يدعم القوات المسلحة والقيادة السياسية وتم توحيد الموقف الرسمي والشعبي خلف النظام وضد الخطر الخارجي بدلًا من الوقوف ضد النظام كما أراد الرئيس ترامب وعلى المستوى العسكري، استطاعت ايران تقديم نموذجًا عاليًا من الانضباط العسكري والعمل الصاعق للعدو، واستطاعت القوة العسكرية تنظيف الخليج من القواعد العسكرية الأمريكية، وكأن القادة العسكريين لم يتم اغتيالهم، وتم انتخاب مرشد جديد في وقت قصير أثناء الحرب وبطريقة سلسلة وهي أهم رسالة تم توجيهها لترامب ونتنياهو وللعديد من الأطراف الصديقة والمعادية وللغرب بأن إسرائيل وأمريكا اغتالوا المرشد الأب ليتم انتخاب المرشد الابن الذي يعد أكثر تشددًا ومحافظة من والده، وهي رسالة مهمة جدًا للرئيس ترامب بأن إيران قادرة على الاستمرار في تنظيم كيانها السياسي وهي مصرة على المواجهة والدفاع مهما كلفت الحرب.

وبناء على ما سبق، جاء تصريح الرئيس ترامب بأن الحرب شارفت على الانتهاء، حيث يعد هذا التصريح وغيره تمهيدًا لوقف الحرب من خلال النزول عن الشجرة وتهيئة الشارع الأمريكي والإسرائيلي والعالم بالنزول عن السلم درجة درجة، والأسباب واضحة وهي نتائج الحرب الدائرة وقدرة إيران على الصمود وتحقيق إنجازات عسكرية كبيرة التي تعد أولى الدلائل بأن الخسارة الأمريكية لقواعدها والخسارة المالية الفادحة وتدمير الرادارات باهظة الثمن. بالإضافة إلى الدمار الحاصل في المدن الإسرائيلية، ودوي صفارات الإنذار يوميا ولساعات، وصوت الانفجارات والصواريخ، كل ذلك يؤدي إلى التأثير القوي على الجبهة الداخلية الإسرائيلية الناعمة التي لا تستطيع تحمل ما تحملته إيران ولبنان وغزة. ولعل نتائج حرب الـ 12 يوم الماضية قد استدعت إسرائيل لطلب وقف إطلاق النار. على الرغم من ذلك يرى الرئيس ترامب أنه استطاع تدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية وبالتحديد الأسطول البحري والجوي ومنظومة الاتصالات وغيرها وإضعاف القيادة العسكرية والسياسية، وهذا مبرر الرئيس ترامب لوقف الحرب.

والهدف الثاني لترامب من وراء وقف إطلاق النار، فهو يرى في الحرب نظرية الصدمة والترويع والنصر السريع من خلال الضربات القاسمة والقوية والسريعة بدلًا من خوض الحروب الطويلة التي تستنزف أمريكا، كما حصل في العديد من الحروب مثل فيتنام، وأفغانستان، والعراق، والتي تجبر إيران للتفاوض والجلوس مرة ثانية على طاولة المفاوضات بالشروط الأمريكية.

والهدف الثالث والمتمثل في البعد الاقتصادي وتأثير استمرار الحرب على أسعار النفط والوضع الاقتصادي الأمريكي والعالمي، فترامب يريد توجيه رسالة للعالم بأن أسواق النفط مضبوطة وسيتم حل أزمة النفط بظل إغلاق مضيق هرمز، والنقطة المهمة هي إعادة الحياة إلى الأسواق المالية وبالتحديد البورصات، وعدم الإرباك، خوفا من انضمام جماعات موالية لإيران على ضفتي البحر الأحمر وإغلاق باب المندب في اليمن والسودان، قد يمنح طهران قدرة أكبر على مراقبة أو تهديد خطوط التجارة الدولية، فالحوثيون يسيطرون على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على باب المندب، واحتمال توسع النفوذ الإيراني في الساحل السوداني سيؤدي إلى ما يشبه “الكماشة الجغرافية” بين البحر الأحمر والخليج.

إلا أن تصريح ترامب مضى عليه بعض الأيام ولم يتم وقف الحرب، هذه التصريحات المتناقضة ميزة مقرونة بترامب الذي دائمًا يعطي تصريحات متناقضة وغامضة تعبر عن التناقض ما بين القول والفعل الواقع على الأرض. وهذه سياسة ترامب في التناقض التي تهدف إلى الضغط النفسي والسياسي والاقتصادي.

وعليه، يميل ترامب إلى الحروب السريعة والخاطفة وينظر لها من منظور السوق “الربح والخسارة” والإعلان عن النصر السريع، وهذا يدعم فرضية إنهاء الحرب التي تحافظ على الإنجازات الأمريكية لليوم الأول للحرب. وفي حال استمرت الحرب لا يمكن المحافظة على النصر بظل تسجيل إنجازات كبيرة ورائعة لكل من إيران وحزب الله والحشد الشعبي في العراق، فكل ذلك يحقق قاعدة مفادها كلما استمرت الحرب زادت خسائر أمريكا وإسرائيل، على الرغم من ذلك رد عليه الحرس الثوري الإيراني بأن إيران هي من تحدد موعد إنهاء الحرب.

موضوعات ذات صلة