الثاني من آذار، آلاف من سكان مخيم برج البراجنة يتدفقون بلا أمتعة وحاجيات تقريبا،ً عند المدخل الغربي للمخيم. الذاكرة تملك احتياطياً من الخوف زُرع في 27 أيلول من العام 2024، لمّا كاد عصف 80 طناً من المتفجرات أن يقتلع المخيم، حين اغتيل السيد حسن نصر الله عند الحافة الشمالية للمخيم. خمسون ألفاً من السكان، قضى معظمهم ليلة قصف الصواريخ الستة عند حوافّ الطرقات في بيروت، أو ببيوت أقارب. ربع السكان بقي، هم الفئة الأكثر هشاشة، التي فضّلت البقاء على النزوح، حين صارت المفاضلة بين ذلين، كما كما يقول الناشط الاجتماعي حسن الشولي.
هو أكثر من نزوح، وكانت “المدن” شاهدة على أحدها، حين طلب الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي من سكان الضاحية الجنوبية مغادرتها عبر طرق حددها لهم مسبقاً. الخوف هو المشترك بين حركة السكان، فوضى في التعابير عن ذلك الخوف: صراخ، صمت، شتائم، صراع بين البقاء والنزوح، ثم بحث عن أغراض أساسية لاصطحابها في رحلة النزوح الجديدة، حتى إن بعض العائلات تركت أبواب منازلها دون إغلاق.
أيام ثم يعود بعضهم، بلا حديث عن معاني الصمود، التي يزخر بها القاموس الفلسطيني، أو إضفاء أوصاف عن قلعة الفلسطينيين الأخيرة، والرمز السياسي لحق العودة، أي المخيم، بل اعتراف بالضعف، وانعدام الحيلة تجاه الأحداث. أنواع أخرى من النزوح لم يعرفها المخيم منذ 40 عاماً. الساكنون في الطوابق العليا في المخيم سينزحون إلى بيوت أقاربهم في الطبقات السفلى.
أهالي المخيم عند الطرف الشرقي الملاصق لحارة حريك، معقل حزب الله الدائم الاستهداف، سينزح كثير منهم إلى وسط المخيم بشكل دائم، أو عند اشتداد القصف. أصحاب البيوت في الطبقات السفلى سيسلّون أنفسهم بأن أصوات الصواريخ تصلهم بشكل أخفض من تلك العليا، وسيكونون أقل تعرضاً لشظاياها. لكن ميزة أخرى غير خفية، أنهم خلال ليلهم الطويل الذي لا يعرف معظم السكان خلاله نوماً، قد تكون دبيب قدم أو صوت نادر لدراجة نارية سلوى لهم. عشرات الملاجئ التي شُيدت قبل 50 عاماً، مهجورة اليوم بعد أن انكشف عجزها.
هجرو المكان واختبأوا
ربع السكان موجودون، لكن الحواري والزواريب توحي كلما اقتربنا من حارة حريك أن النسبة أقل من ذلك بكثير، حتى إن زواريب كثيرة لا يمرّ منها أحد إلا صدفة. الأطفال الذين كانت تلك الطرقات الضيقة مساحتهم الوحيدة للّعب، قد هجروها تماماً، وانكمشوا داخل البيوت، خوفاً وامتثالاً لتعليمات الأمهات والآباء.
وجوه متعبة لا بسبب العجز عن النوم فقط، أو انفلات القدرة على التنبؤ بالمصير، بل إن البطالة عامل إضافي في صناعة الكآبة، فمعظم العمال هم عمّال مياومون، ويوم بلا عمل قد يعني نقصاً بالحاجات الأساسية، من دواء وكهرباء وحتى طعام. عدا الخشية من توسع تشققات أحدثتها الصواريخ في بيوت السكان، والتي كانت تتساقط قبل الحرب، وذكر تقرير للأونروا قبل سنوات أنه يوجد حوالي 750 بيتاً في المخيم مهددة بالسقوط.
تزداد أوضاع السكان هشاشة مع تراجع المساعدات الغذائية والإنسانية بشكل واضح، ولولا مبادرات أهلية محدودة، للامست حد الانعدام، وهو فارق جوهري عن عدوان 2024. التراجع ناتج عن عدة عوامل، على رأسها الأزمة التي تعاني منها الأونروا، وضعف التحويلات المالية بسبب الأوضاع في غزة، وما استجد من أزمة مالية في بلدان الخليج، أما العامل الثالث فهو غياب أي دور يُذكر للفصائل الفلسطينية.
أزمة متوقعة، مما يضاعف التساؤلات حول أسباب غياب الفصائل عن الفعل في هذه الظروف المأساوية، خاصة وأن العدوان الماضي كشف الثغرات، وجعل التنبؤ بما يمكن أن يحصل ممكناً. لا خطة للإخلاء تمنع الفوضى، أو تحد من الضياع الذي حصل، وتيه السكان في شوارع بيروت. لا لجنة طوارئ كان تشكيلها مطلباً ملحاً في كل اجتماع تعقده الفاعليات الأهلية مع الفصائل الفلسطينية على مدار أشهر. لا موادّ غذائية في المخازن تحسباً لمثل هذه الأحداث التي كاد وقوعها يحدَّد زمنياً بالساعة.
غياب الفصائل الفلسطينية
وقعت الحرب، انقطعت زيارات المسؤولين الفلسطينيين إلى المخيم، حتى الأذرع الاجتماعية للفصائل تبدو بلا حضور فاعل، والعمل على إيجاد مراكز إيواء في المناطق شبه معطّل. الغياب الفصائلي يضاعف قلق السكان، ويؤثّر على قدرتهم وفعاليتهم وثقتهم في المستقبل. لكن لماذا غابت الفصائل الفلسطينية في هذه الظروف، هل بسبب عدم الرغبة، أم فقدت القدرة على التخطيط، بعدما فقدت نخبتها الوازنة؟
يقول مبتدأ حكاية الثورة في مخيم برج البراجنة، إنه في بداية السبعينات من القرن الماضي غادر مسؤول فصائلي بارز فصيله الوطني يائساً، وهاجر إلى الولايات المتحدة، وأصبح أستاذاً جامعياً. وتتابع الحكاية إنه في نهاية ذلك العقد هاجر أبرز وجوه التيار الإسلامي إلى البلد نفسه، ثم أصبح طبيباً وأسس مركزاً طبياً هناك. وتكمل الحكاية أن هذين المثقفين كانا يحرسان ضميريهما من خلال حماية مصالح السكان، وتُساق روايات حول ذلك.
إذن، سقط “الأمن الاجتماعي” حين سقط “الأمن الثقافي”، وسقط مصطلح النخبة نفسه، لتحل مكانه الأمّية السياسية. وأمّنت هذه الأمّية استمرارها حين أصبحت وسيطاً اضطرارياً بين الفرد بالمخيم والخدمات، وبينه وبين الأونروا، وتملك مفاتيح التوظيف في المؤسسات التي تحلّ في المخيم. ويكتشف السكان رثاثة حكامهم بشكل فظيع عند كل حرب، ويكتشفون أيضاً عجزهم أمام سؤال المستقبل.