| | |

تحت هدير الحرب… عيد الجليل يُقاوم الخوف بفرحة خجولة

الكاتبالبقاعاللاجئسن الفلسطينيينبعلبكعيد الفطرمخيم الجليل

حسين منصور – صدى الشتات – البقاع

في صباحٍ كان يُفترض أن يمتلئ بالفرح وأصوات التكبير، استيقظ مخيم الجليل للاجئين الفلسطينيين في لبنان على واقعٍ مختلف، حيث خيّمت أجواء القلق والخوف على تفاصيل أول أيام عيد الفطر، في ظل الحرب التي تلقي بثقلها على البلاد، وتنعكس مباشرة على حياة اللاجئين داخل المخيم.

منذ ساعات الصباح الأولى، بدت الحركة داخل الأزقة خجولة على غير العادة. فالمخيم الذي اعتاد أن يضج بالحياة في مثل هذه المناسبات، ويكتظ بالأطفال والعائلات، ظهر هذا العام وكأنه يختصر فرحته، أو يؤجلها إلى حينٍ أكثر أماناً.

جدار الصوت… لحظة كسرت سكون العيد

ومع حلول الساعة الحادية عشرة ظهراً، دوّى صوتٌ قوي ناتج عن اختراق طائرات الاحتلال لجدار الصوت، ليقطع ما تبقى من هدوء، ويزرع حالة من الذعر بين الأطفال، الذين هرع بعضهم إلى منازلهم، فيما التصق آخرون بأهاليهم خوفاً من المجهول.

لم يكن ذلك الصوت عابراً، بل شكّل لحظة مفصلية أعادت التذكير بأن الحرب حاضرة، حتى في أكثر الأوقات التي يُفترض أن تكون فرحاً.

الأسواق الخاوية… العيد بلا زبائن

الحرب لم تسرق فقط الأمان، بل سلبت أيضاً ملامح العيد. فالمحال التجارية التي كانت تستعد قبل أيام لاستقبال الزبائن، بدت شبه فارغة، والباعة ينتظرون زبائن لا يأتون.

يؤكد صاحب متجر الألعاب علي قدروة أن الحركة التجارية في العيد تراجعت بشكل غير مسبوق، مشيراً إلى أن أجواء الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على سلوك الأهالي، حيث انخفض الإقبال بنسبة تُقدَّر بنحو 80% مقارنة بالأعياد السابقة.

ويوضح أن الأطفال كانوا في الأعوام الماضية يملؤون الساحات ويقبلون على شراء الألعاب، خاصة البنادق البلاستيكية، إلا أن الخوف من أي غارة مفاجئة دفع العائلات إلى تقليل خروج أبنائها. ورغم ذلك، يلفت إلى أنه حرص على فتح متجره في محاولة لإدخال بعض الفرح إلى قلوب الأطفال، ولو بحدوده الدنيا.

هذا التراجع في الحركة لم يقتصر على محال الألعاب، بل شمل أيضاً قطاع اللحوم، الذي يشهد عادةً نشاطاً ملحوظاً في الأعياد.

يصف صاحب الملحمة محمد الساهي أجواء العيد هذا العام بأنها “شبه معدومة”، لافتاً إلى أن القلق من الحرب يسيطر على الأهالي الذين باتوا يخشون على سلامة أطفالهم. ويشير إلى أن خرق جدار الصوت مع بداية العيد زاد من حالة التوتر داخل المخيم، وأثر بشكل مباشر على الحركة التجارية، بما في ذلك قطاع اللحوم، حيث تراجع الإقبال بشكل كبير مقارنة بالأعوام السابقة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والخوف المستمر من أي تصعيد.

الأطفال… فرحٌ عنيد في وجه الخوف

رغم هذا المشهد القاتم، لم تستسلم براءة الطفولة. ففي زوايا المخيم، ظهرت محاولات خجولة لصناعة الفرح. أطفال حملوا بنادق بلاستيكية، وآخرون ارتدوا ملابس العيد، بينما توجه بعضهم إلى المراجيح القليلة المنتشرة داخل المخيم.

كانت ضحكاتهم متقطعة، لكنها حاضرة، وكأنها شكل من أشكال التحدي

 

الأهالي: الفرح واجب رغم الحرب

يرى أحد الأهالي، أبو محمد، أن فرحة الأطفال لا يجب أن تُؤجَّل رغم قسوة الظروف، مؤكداً أن إدخال السرور إلى قلوبهم يُعد واجباً إنسانياً ودينياً.
ويوضح أنه حرص على اصطحاب أطفاله إلى المراجيح داخل المخيم، في محاولة للتخفيف من الضغوط النفسية التي يعيشونها، مشدداً على أن العيد، رغم كل شيء، يجب أن يبقى مساحة للفرح، ولو بحدوده الدنيا.

فيما يعتبر الشاب ليث كرزون أن خرق جدار الصوت في أول أيام العيد يعكس محاولة واضحة لتعكير أجواء الفرح، خاصة لدى الأطفال. ويشير إلى أنه رغم هذه الأجواء، لا يزال الأطفال يحاولون التمسك بفرحتهم من خلال اللعب والضحك، معبّراً عن أمله في أن تنتهي الحرب قريباً لتكتمل فرحة العيد التي حُرِم منها كثيرون.

رسائل الأطفال… براءة تختصر المشهد

أما الأطفال أنفسهم، فكانوا الأكثر صدقاً في التعبير عن مشاعرهم. أحدهم قال إنه جاء ليلعب ويفرح رغم الحرب، متمنياً أن تنتهي قريباً. فيما أشار طفل آخر إلى أنهم يحاولون الاستمتاع بالعيد رغم الظروف، مؤكدين أنهم يشعرون بما يمر به أطفال غزة.

ووجّه أحد الأطفال رسالة تضامن، معتبراً أن الحرب لا يجب أن تمنع الأطفال من اللعب، متمنياً الفرج للجميع. بينما عبّرت طفلة عن مشاعر مختلطة، إذ رأت أن العيد جميل، لكنها حزينة في الوقت ذاته على أطفال غزة، وتأمل أن يعيشوا أجواءه بفرح وأمان.

عيد مؤجل… لكن الأمل حاضر

هكذا، يمضي عيد الفطر في مخيم الجليل هذا العام، بين خوفٍ حاضر، وفرحٍ مُؤجَّل، ومحاولات صغيرة لصناعة لحظات من السعادة وسط القلق.

ورغم أن الحرب فرضت إيقاعها الثقيل على تفاصيل الحياة، إلا أن المخيم، كعادته، يرفض الاستسلام الكامل، ويتمسك بما تبقى من طقوس العيد، ولو كانت بسيطة.

في النهاية، قد تغيب الزينة، وتخفت الأصوات، وتقلّ الحركة، لكن روح العيد تبقى حاضرة في عيون الأطفال، وفي إصرار الأهالي على انتزاع لحظة فرح من قلب الخوف… هنا، لا يُقاس العيد بحجمه، بل بقدرة الناس على الصمود، وحماية ما تبقى من الأمل.

موضوعات ذات صلة