|

صدى تستطلع خيارات اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات صور

بعد إنذارات بالإخلاء، وغارات طالت محيط المخيم، واستهداف طرق وجسور كانت تربط الجنوب ببقية المناطق، تغيّرت ملامح المكان بسرعة، لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً: حضور الناس. في مخيمات صور، في البرج الشمالي والرشيدية والبص، لم تتحول الأزقة إلى فراغ، ولم تختفِ الحياة، بل استمرت، وإن بإيقاع أبطأ وثقل أكبر. هنا، لا يبدو البقاء موقفاً استثنائياً، بل حالة يومية تتشكّل من تفاصيل صغيرة، ومن قدرة الناس على الاستمرار في مكان يعرفونه جيداً، رغم كل ما تغيّر حولهم.

“لهلّق واقفين”

حين يُسأل أحد السكان عمّا أبقاه حتى هذه اللحظة، لا يبحث عن إجابة طويلة، بل يختصر كل شيء بجملة بسيطة: “لهلّق واقفين”. في هذه الكلمات القليلة تختبئ معانٍ كثيرة؛ خوف حاضر لكنه غير حاسم، تعب متراكم لكنه لا يكفي لدفعه للمغادرة، وإحساس داخلي بأن البقاء، رغم كل شيء، ما زال ممكناً. ليس لأن الظروف آمنة، بل لأن البديل غير واضح، ولأن المكان، بكل ما يحمله من ذاكرة وعلاقات، لا يُترك بسهولة، حتى في أصعب اللحظات.

الأمل بأشكاله الصغيرة

لا يتحدث الناس هنا عن الأمل كفكرة كبيرة أو بعيدة، بل كشيء بسيط يمكن التمسك به في يوم عادي. “الأمل إنو نضل بخير”، يقول أحد الشبان، وكأن هذه الجملة تكفي. أحياناً يكون الأمل مجرد ليلة تمرّ دون أصوات قريبة، أو صباح يبدأ بلا مفاجآت، أو قدرة على إكمال يوم آخر دون خسارة جديدة. أشياء صغيرة، لكنها في هذا السياق تصبح أساسية، وتتحول إلى ما يشبه القوة التي تدفع الحياة للاستمرار.

الحياة داخل البيوت

داخل المنازل، يتخذ الصمود شكلاً مختلفاً، أقل ظهوراً لكنه أكثر عمقاً. تحاول العائلات الحفاظ على روتين يومي، ولو كان بسيطاً، كطريقة لمواجهة الواقع. أم تحضّر الطعام كما اعتادت، تراقب أطفالها، وتحاول أن تخلق شعوراً بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة. تقول إحداهن: “منحاول نعيش بشكل عادي… قد ما فينا”، وهذه المحاولة بحد ذاتها تصبح فعلاً يومياً من أفعال الصمود. ليس لأن الحياة عادت كما كانت، بل لأن التوقف الكامل يبدو أكثر قسوة من الاستمرار الناقص.

معنى الصمود كما يُفهم هنا

حين يُطلب من الأهالي أن يصفوا كلمة “الصمود”، لا تأتي الإجابات بصيغة واحدة، لكنها تلتقي في مضمون واضح. لا أحد يتحدث عن بطولة أو شعارات، بل عن الاستمرار. “إنك تكمّل”، “إنك تضل”، “إنك تعيش يومك”… عبارات تتكرر وتعكس فهماً مختلفاً للكلمة. الصمود هنا ليس موقفاً كبيراً، بل ممارسة يومية تبدأ من الاستيقاظ وتمتد إلى تفاصيل اليوم كله، من فتح الباب صباحاً إلى محاولة إنهاء يوم آخر بهدوء نسبي.

ذاكرة أطول من اللحظة

بالنسبة لكثيرين، ما يحدث اليوم ليس معزولاً، بل امتداد لحكاية أقدم. من النكبة، إلى كل ما تلاها، يحضر الشعور نفسه: أن البقاء جزء من الهوية. “نحنا هيك تربّينا… إنو نضل”، يقول أحد كبار السن، وكأن الصمود ليس خياراً فردياً، بل تجربة جماعية تتكرر عبر الزمن. هذا الإحساس لا يُقال دائماً بشكل مباشر، لكنه يظهر في طريقة التفكير، وفي القدرة على الاستمرار دون إعلان.

غزة… مصدر صبر

في أحاديث كثيرة، يعود اسم غزة، لا كمقارنة، بل كمرآة للصبر. “لما منشوف غزة… منقول لازم نتحمّل”، يقول أحد الشبان. في هذا الاستحضار، لا توجد محاولة لمقارنة المعاناة، بل استمداد معنى. كأن التجربة هناك تعطي تفسيراً لما يحدث هنا، وتمنح الناس قدرة إضافية على الاستمرار، حتى في ظل واقع ثقيل.

استمرار بلا إعلان

في نهاية اليوم، لا يعلن أحد أنه صامد، ولا تُرفع شعارات داخل المخيم. لكن الحياة، رغم كل شيء، تستمر. ببطء، بحذر، وبثقل واضح، لكنها لا تتوقف. وفي صباح اليوم التالي، دون ضجيج، يحدث الشيء نفسه من جديد: يستيقظ الناس، يفتحون أبوابهم، ويكملون. ليس لأنهم أقوى بالضرورة، ولا لأن الخوف غاب، بل لأن الحياة… ما زالت مستمرة.

موضوعات ذات صلة