لبنان .. اليوم التالي للحرب

الكاتبوائل نجم

ما إن تعرّضت إيران لهجوم إسرائيلي أمريكي صباح يوم السبت الواقع في الثامن والعشرين من شباط/فبراير تحت عناوين شتى من بينها: تغيير النظام أو إضعافه، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، والتخلّص من الصواريخ البالستية وما تمثّله من تهديد لدول المنطقة، لا سيّما “إسرائيل”، وأدّى إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين في الجيش وحرس الثورة الإيرانية، فضلاً عن مراكز قيادية وعسكرية في العديد من المحافظات الإيرانية، حتى أعلن حزب الله فجر يوم الاثنين الواقع في 2 آذار/مارس عن إطلاق ستة صواريخ من جنوب لبنان تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، انتقاماً لدماء المرشد خامنئي، وردّاً على الاعتداءات والاغتيالات الإسرائيلية التي طالت الحزب طيلة فترة ثلاثة عشر شهراً بعد التوقيع على وقف الأعمال العدائية في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمير 2024 بين الحكومة اللبنانية و”إسرائيل”.

لقد اتخذت “إسرائيل” من إطلاق حزب الله لتلك الصواريخ ذريعة لتجديد عدوانها على المناطق اللبنانية، سيّما تلك التي تمثّل بيئة حاضنة للحزب، ما أدّى إلى تهجير مئات آلاف المواطنين من مناطقهم في الجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك، فيما واصل حزب الله إطلاق الصواريخ بشكل يومي، ووسّع من دائرة استهدافاته لتشمل المواقع العسكرية الإسرائيلية في شمال فلسطين، وكذلك المستوطنات فضلاً عن تجمعات وحشود قوات الاحتلال في البلدات الجنوبية التي تقدّمت إليها.

من جهتها تداعت الحكومة اللبنانية إلى اجتماع في قصر بعبدا بحضور رئيس الجمهورية الساعة الثامنة من صباح يوم الاثنين الواقع في 2 مارس/آذار، أيّ بُعيد ساعات من إطلاق الصواريخ من الجنوب، وندّدت بإطلاق الصواريخ، وأكّدت مرّة جديدة على التزامها ببنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، ونشر الجيش في الجنوب، سيّما جنوب نهر الليطاني، وحصر السلاح بيد الدولة، وأضافت مسألة في غاية الدقّة وربما الخطورة عندما اتخذت قراراً بحظر العمل العسكري والأمني لحزب الله فوق كلّ الأراضي اللبنانية، واعتبرت أيّ عمل من هذا القبيل مخالف للقانون، وكلّفت الجيش والقوى الأمنية اللبنانية تطبيق هذا القرار وتوقيف أي مخالف له

في المقابل تجاهل حزب الله قرار الحكومة، واستمرّ في عملية إطلاق الصواريخ من لبنان، بل زاد من كثافة عمليات الإطلاق حتى بات يُصدِر في اليوم الواحد عشرات البيانات التي توثّق عمليات الإطلاق. وأكثر من ذلك اعتبر في بين صدر باسم رئيس كتلة الوفاء للمقاومة، النائب محمد رعد، أنّ قرار الحكومة متماهٍ مع العدو وحربه على لبنان، ويأتي استجابة لضغوط ومطالب “إسرائيل”[ii]. وتجدر الإشارة إلى أنّ الوزيرين اللذين يمثّلان حزب الله في الحكومة حضرا الاجتماع، وتحفّظا عليه، فيما أيّده بقية الوزراء بما في ذلك الوزراء الذين يمثّلون حركة أمل والرئيس نبيه برّي.

ثمّ لاحقاً هدّد نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، الوزير السابق محمود قماطي، في تصريح صحفي من أنّ الحزب قادر على قلب البلد والحكومة التي وثفها بأنّها حكومة “فيشي” الفرنسية التي تعاملت مع أعداء فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، ملوّحاً بأنّ مصير العملاء الإعدام[iii]. ثمّ لاحقاً أوضح المكتب الإعلامي لـ “قماطي” أنّ كلامه جرى إخراجه عن سياقه.

مبرّرات حزب الله لدخول الحرب

اعتبر حزب الله في بيان أصدره يوم 3 آذار/مارس أنّ إطلاقه الصواريخ باتجاه ثكنة عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي المحتلة جاء في إطار الردّ على العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 15 شهراً، حيث لم تنفع كل الوسائل الدبلوماسية والسياسية في لجم هذا العدوان وإلزامه بتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ووضَع الحزب عملية الرد في إطار دفاعي وردّ الفعل[iv].

غير أنّ هذه العملية التي جاءت بعد أقل من 48 ساعة على استهداف مقرّ القيادة التابع للمرشد علي خامئني في طهران حيث اغتيل مع مجموعة من القيادات الإيرانية أظهرت كما لو أنّ الحزب قام بإطلاق الصواريخ في إطار الثأر لدماء المرشد خامئين، خاصة وأنّ الحزب كان قد أكّد في وقت سباق على لسان أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، أنّ اغتيال المرشد لن يبقيه مكتوف اليدين، بل سيجبره على الردّ[v].

الجميع يدرك أنّ الحزب جزء من المحور الذي شكّلته إيران في المنطقة، بل هو العامود الفقري لهذا المحور، ويذهب البعض أكثر من ذلك إذ يعتبر أنّ الحزب جزء من التركيبة الإيرانية حتى لو كان حزباً لبنانياً، وفي هذا الإطار يسترجع البعض خطاباً للأمين العام السابق للحزب، حسن نصرالله، عندما أعلن أنّ سلاح الحزب ماله وغذاءه من إيران[vi].

لقد شعر الحزب باغتيال خامنئي أنّ إيران تواجه تهديداً وجودياً في ظلّ الحرب التي شنّتها “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية عليها، كما اعتبر أنّ وجوده مرتبط بشكل وثيق بوجود النظام في إيران، وبالتالي فإنّه هو ذاته بات يواجه أيضاً تهديداً وجودياً، وبهذا المعنى لا بدّ من الانخراط في هذه المعركة دفاعاً عن الوجود، ليس وجود النظام في إيران فحسب، بل وجوده هو أيضاً في لبنان.

ومن ناحية أخرى، فقد صبر الحزب على الاعتداءات والاغتيالات الإسرائيلية التي طالت قرابة 400 من كوادره على مدى 15 شهراً من وقف الأعمال العدائية من طرفه، ووجد في فتح المعركة بين إيران من ناحية و”إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية ثانية، فرصة حقيقية لمحاولة تغيير المعادلة التي قامت بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والتي أتاحت لـ “إسرائيل” الاستمرار في أعمال القتل والاعتداءات، بينما كان الحزب يلوذ بالصمت ويتكبّد الخسائر. لقد وجد الحزب أنّ فتح المعركة مع “إسرائيل” في ظلّ حربها مع إيران وتلقّيها للضربات الإيرانية يعطيه فرصة حقيقية لتغيير المعادلة التي قامت، أقلّه لناحية وقف الاغتيالات التي كانت تمارس بحقّه، فضلاً عن القرارات التي اتخذت على مستوى الداخل اللبناني بمصادرة سلاحه والتضييق عليه.

وبهذا المعنى اندفع الحزب بكلّ قوّته في تسديد الضربات وإطلاق الصواريخ باتجاه المواقع الإسرائيلية وبالتنسيق الكامل مع إيران، متجاهلاً الحكومة اللبنانية وقراراتها، وحتى مصير البيئة الحاضنة التي نزحت عن قراها وبلداتها وباتت في مهبّ الريح، وكذلك الشراكة مع بقيّة المكوّنات في البلد، وهو ما سيكون له كبير الأثر لاحقاً على مستقبله ومستقبل البيئة الحاضنة ومستقبل لبنان.

مسوّغات قرارات الحكومة

بحكم استمرارية الحكم، وجدت حكومة الرئيس نوّاف سلام نفسها أمام تركة ثقيلة ممثّلة باتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أُبرم في السابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بين الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي و”إسرائيل” برعاية الولايات المتحدة الأمريكية لوقف إطلاق النار أو ما اصطلح على تسميته وقف الأعمال العدائية التي أتت من طرف واحد هو حزب الله. كما تضمّن الاتفاق بنوداً أخرى من بينها حصر السلاح بيد أجهزة الدولة الرسمية. لقد حظي الاتفاق برضا وقبول حزب الله الذي مثّله في تلك المفاوضات رئيس المجلس النيابي، نبيه برّي.

غير أنّ حكومة الرئيس سلام واجهت عقبات في تطبيقها للاتفاق. “إسرائيل” لم تنسحب من خمس مواقع احتلتها في جنوب لبنان، وظلّت تمارس أعمال الاغتيال فوق كلّ الأراضي اللبنانية؛ وحزب الله الذي حصر مسألة تسليم السلاح في منطقة جنوب الليطاني فقط، فيما اعتبر أنّ السلاح خارج منطقة جنوب الليطاني يخضع لحوار وطني.

بهذا الاعتبار وجدت الحكومة أنّها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الداخل والخارج، غير أنّها ظلّت تحاول إيجاد المخارج عبر المماطلة في تنفيذ بعض البنود أو اتخاذ بعض الإجراءات أو جعل بعض الإجراءات شكلية فحسب. كانت تخشى اتخاذ قرارات ومن ثم الذهاب إلى تنفيذها من انزلاق البلد إلى فوضى وحرب داخلية؛ وكانت تخشى بالمقابل التسويف والمماطلة من العدوان الإسرائيلي الواسع والمفتوح. وفي الحالتين كانت تعمل تحت ضغط خارجي مثّلته الشروط الأمريكية والإسرائيلية، وداخلي مارسته قوى سياسية مشاركة في الحكومة بما في ذلك حزب الله نفسه.

غير أنّ القرار الأخير الذي اتخذته صباح الاثنين الواقع في 2 آذار/مارس بحظر الأعمال العسكرية لحزب الله مثّل جرأة لم تكن حاضرة من قبل، خاصة وأنّها تهيّبت الردّ الإسرائيلي على حزب الله وعلى لبنان في لحظة كان الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في ذروته، وكان الاعتقاد السائد لدى العالم كلّه إنّ النظام في إيران سيؤول إلى السقوط في ضوء اغتيال المرشد والقيادة السعكرية في الصفّ الأول.

لا يخفى على أحد أنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون ضمّن خطاب القسم أثناء انتخابه رئيساً للجمهورية بنداً بحصر السلاح بيد الدولة. كما ضمّنت الحكومة بيانها الوزاري الذي نالت على أساسه ثقة المجلس النيابي بنداً بحصر السلاح بيد الدولة.

ولا يخفى أيضاً أنّ الرئاسة والحكومة تعرّضتا وما تزالان لضغوط كبيرة لحصر السلاح بيد الدولة، فضلاً عن أنّهما لديهما رغبة في ضبط أو نزع سلاح حزب الله حتى تكون الدولة هي صاحبة القرار في الحرب والسلم، وقد وجدتا في إطلاق الحزب الصواريخ تجاه الأراضي المحتلة “ذريعة” أو “حجّة” أو “سبباّ” لإصدار قرار حظر الأعمال العسكرية، وهو قرار بالمناسبة حظي بدعم وتأييد عدد واسع من القوى السياسية اللبنانية الممثّلة في المجلس النيابي.

على هذا الأساس يمكن الحديث عن مسوّغ مشروع لدى الحكومة وهو تهيّب الردّ الإسرائيلي الهمجي في ضوء ما قام به الاحتلال خلال عدوانه على لبنان خلال حرب الـ 66 يوماً، أو في ضوء ما ارتكبه من مجازر وإبادة في غزة. كما يمكن الحديث أيضاً عن رغبة لدى الدولة بوضع حدّ لـ “هيمنة” حزب الله على السلطة على مدى أكثر من عقدين بفعل اقتناء واحتكار السلاح خارج الدولة.

سيناريوهات ما بعد الحرب

في ضوء ارتباط مصير حزب الله إلى حدّ بعيد بمصير النظام في إيران، بات واضحاً أنّ اليوم التالي في لبنان سيتحدّد في ضوء ما سترسو عليه نتائج الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية، وفي هذا السياق يمكن الحديث عن السيناريوهات التالية دونما اعتبار لترقيمها:

vتمكّن الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” من تسديد المزيد من الضربات القويّة لإيران بحيث يؤدّي ذلك إلى انهيار النظام وإسقاطه؛ والواضح حتى الآن أنّ هذا لن يكون سهلاً ولا في متناول اليد في وقت قياسي وسريع، إلاّ في حال استخدام أسلحة أو أساليب غير تقليدية. إنّ هذا السيناريو لو حصل فإنّه سيعني انحسار قوّة وقدرة حزب الله في لبنان، بحيث إمّا أن يتمّ نزع سلاحه ومن ثمّ تفكيكه، أو في أضعف الاحتمالات وقف الحرب والخضوع لتسوية يتمّ فيها تسليم الحزب لسلاحه وتحوّله إلى العمل السياسي. فضلاً عن أنّ ذلك سيعني تحكّم “إسرائيل” بقرار لبنان والهيمنة عليه.

vتمكّن إيران من حسم الحرب لصالحها من خلال صمودها من ناحية، والإفادة من ملفي مضيق هرمز والطاقة من ناحية ثانية بحيث يُرغم ذلك الولايات المتحدة الأمريكية على الانسحاب من الحرب وترك “إسرائيل” لمصيرها. غير أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، وهي القوّة النووية والأولى على مستوى العالم لن تقبل هزيمة من هذا النوع؛ ولكن فيما لوحصلت، فإنّ إيران ستتحوّل إلى أكثر من قوّة إقليمية عظمى، وبالتالي فإنّ قوّتها وتأثيرها سينعكس على لبنان وسيغيّر المعادلة فيه لصالح حزب الله وإعادة إنتاج السلطة لصالحه.

ولكنّ فرص هذا السيناريو تكاد تكون ضئيلة لاعتبارات تتعلّق بعوامل كثيرة من بينها صراع القوى العالمية والإقليمية وتنافسها في المنطقة.

تحوّل الحرب إلى حرب استنزاف لكلّ الأطراف المشاركة فيها، بل ربما حتى لأطراف ليست مشاركة فيها كتلك التي تتأثّر بتقلبات أسعار الطاقة أو تلك التي تتعرّض بشكل مباشر للضربات التي تدخل في إطار استخدام الطاقة كأحد الأسلحة في الميدان. غير أنّ أيّاً من الأطراف المتحاربة لا يحتمل حرب استنزاف طويلة وليس له مصلحة فيها، وبالتالي فإمّا أن يلجأ أحد الأطراف إلى استخدام أسلحة كاسرة للتوازن بهدف حسم مصير الحرب وتحقيق الأهداف، والأرجح في هذه الحالة أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية، وإمّا أن تجبر حالة الاستنزاف الأطراف على الذهاب نحو تسوية مرحلية طويلة أو قصيرة الأمد.

vسيناريو الذهاب نحو تسوية يمكن لكلّ طرف فيها أن يدعّي الانتصار، وفي هذه الحالة ستكون هذه التسوية بمثابة هدنة ظرفية يستعدّ كلّ طرف فيها لجولة جديدة قريبة أم بعيدة. وهذا السيناريو ما سيعني على الأغلب دخول كلّ من “إسرائيل” وحزب الله في هذه التسوية، وهو بدوره ما سينعكس على لبنان لأنّ مجرد صمود إيران ودخولها في تسوية، بموازاة صمود حزب الله، يعني تغيير المعادلة التي قامت ما بين 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 و2 آذار/مارس 2026 لصالح حزب الله سواء في مواجهة “إسرائيل” أو في التعامل مع الداخل اللبناني، وهنا تكمن الخطورة في خروج الأمور عن نطاق السيطرة إذا ما حاول الحزب فرض واقع جديد على الداخل اللبناني يبدأ برفض قرارات الحكومة والمطالبة بالتراجع عنها، ويمكن أن يصل إلى حدود انزلاق الأمور في الداخل إلى مواجهات مع السلطة أو حرب أهلية يمكن أن تهدّد الصيغة اللبنانية برمتها، وعلى الأرجح أنّ لـ “إسرائيل” مصلحة في ذلك.

سيناريو توسّع الحرب لتتحوّل إلى حرب إقليمية واسعة تشترك فيها دول إقليمية وربما عالمية، وهو السنياريو الذي تحاول أغلب الدول المتأثّرة بالحرب والمعنية بها الهروب منه لكلفته العالية، غير أنّ الأمور إذا ما أخذت منحىَ تصاعدياً بشكل دائم من دون قدرة أحد الأطراف على الحسم، فإنّ الميدان قد يجرّ دولاً أخرى للانخراط في الحرب وتحوّلها إلى حرب واسعة.

السيناريو المرجّح

المرجّح حالياً بالنظر إلى صمود إيران على الرغم من اغتيال الكثير من قادة الصف الأول فيها، واستمرار المواجهات بين الأطراف بوتيرة تهدّد بتوسّع المواجهات، وارتفاع كلفة الحرب، قد يجعل سيناريو الذهاب نحو تسوية مرحلية ظرفية هو المرجّح، خاصة إذا استنفدت الأطراف الأدوات ووصلت إلى قناعة بارتفاع كلفة الحسم أو بالاستمرار بحالة الاستنزاف.

توصية

أظهر الانخراط في الحرب الأخيرة أنّ لبنان واجه تحدّيات كبيرة بلغت مبلغ تهديد الصيغة اللبنانية الفريدة، بقدر ما أظهر أيضاً أنّ الرهان على الدبلوماسية والعلاقات الدولية لم يحمِ لبنان من الاعتداءات والأطماع الإسرائيلية، وبناء عليه يمكن تصدير التوصية التالية:

1. تعزيز خيار الدبلوماسية لحماية لبنان دون الاكتفاء بذلك، والإفادة من قدرات لبنان، سيّما إمكانيات المقاومة وبقية نقاط القوّة، وتوظيفها كعناصر قوّة في أيّة مفاوضات مقبلة لحماية لبنان وحماية حقوقه، وهذا قد يتطلّب إعادة النظر ببعض القرارات التي اتخذت على عجل أو تلبية لبعض الضغوط، والشروع الجدّي الحقيقي في تطبيق مندرجات خطاب القسم لرئيس الجمهورية والبيان الوزاري.

2. الحذر الشديد من الانزلاق إلى مواجهات بين الدولة والمقاومة على خلفية المشاركة في الحرب أو في الذهاب نحو المحاسبة على قرارات اتخذت في لحظة كان مصير المنطقة بأسرها يُقرّر، وهذا يتطلّب الشروع في حوار جدّي حقيقي من كلّ الأطراف لحماية لبنان وسيادة منطق الدولة للجميع وليس لفئة دون أخرى.

3. الحذر الشديد من الانزلاق إلى فتنة أهلية وهذا يتوقف بشكل أساسي على كيفية التعامل والتعاطي بعد الحرب خاصة لناحية الانقلاب على الدولة أو احتكار قرار الحرب والسلم بدلاً عنها، لأنّ من شأن ذلك أن يدفع بعض المكوّنات السياسية والمجتمعية إلى المطالبة بخيارات تقسّم لبنان وتقضي على الصيغة وفي ذلك خدمة مجانية لـ “إسرائيل”.

4. سيناريو التسوية لا يعني أبداً أنّ فريقاً قد انتصر على فريق آخر، وبالتالي فإنّ التسوية على مستوى المنطقة والهدنة التي يمكن أن ترافقها يجب أن تشكّل فرصة حقيقية لجسر الهوّة في لبنان، وتحصين المجتمع والدولة والإفادة من هذه المرحلة لتعزيز اللحمة الوطنية بعيداً عن منطق التشكيك والتخوين والغلبة.

موضوعات ذات صلة