حين يتحّول القانون إلى مشنقة… والعدالة تُختزل في هوية الضحية

الكاتبفؤاد بكر

في مشهدٍ يختزل أقصى درجات القسوة، لم يعد القانون نصًا يكُتب على ورق، بل أصبح حبلًً ينُسج ببطء حول أعناق آلاف الأسرى الفلسطينيين. في قاعة الكنيست الإسرائيلي، يدُفع مشروع إعدامهم نحو الإقرار، بينما في الزنازين، يبدأ العدّ التنازلي للحياة.

هذا ليس تشريعًا. هذا إعلًن موت معلن.

القانون الذي يقوده إيتمار بن غفير لا يبحث عن العدالة، بل عن الانتقام، ويحوّل السياسة إلى آلة قتل منظمة. هنا، لم يعد الحديث عن جريمة وعقاب، بل عن هوية وحكم مسبق: فلسطيني يحُاكم لأنه فلسطيني، ويدُفع نحو المشنقة لأن دمه لا يعُامل كدمٍ آخر.

أي انحدار هذا الذي يجعل دولة تكتب القتل في قانون، وتقدّمه كإنجاز سياسي؟ حتى محاولات بنيامين نتنياهو لتعديل الصياغة لم تكن رفضًا للمبدأ، بل محاولة لتجميل وجه القسوة. لم يكن الخوف على حياة إنسان، بل على صورة اسرائي ل أمام العالم. النقاش لم يكن: كيف نمنع الإعدام؟ بل: كيف نجعله أقل إحراجًا ؟

في قلب هذا القانون، لا يوجد قضاء، بل حكم مسبق. القاضي مجرد موظف يوقع، الاستئناف إجراء شكلي، والمحكمة منصة لإضفاء الشرعية على موت مُقرر سلفًا. العدالة هنا لا تعُمى… بل تقُتل عمًدًا.

والأكثر رعبًا، أن هذا القانون لم يبدأ من الصفر. الأسرى الفلسطينيون يعيشون منذ سنوات في ظل “إعدام مؤجل”: موت بطيء في زنازين ضيقة، إهمال طبي يفتك بالأجساد، تعذيب ينهش الإنسانية، وعزل طويل يلتهم العقول. ما يحدث الآن هو فقط نقل هذا الموت من الظل إلى العلن، من الممارسة إلى الن ص.

هناك، خلف الجدران، لا تنُاقش السياسة. كل صوت قد يكون الخطوة الأخيرة، كل باب يفُتح قد يحمل حكمًا لا رجعة فيه. عشرة آلاف أسير وأسيرة يقفون على حافة مصير لا يحُتمل: حياتهم أصبحت قرارًا إداريًا، وموتهم إجراءً قانونيًا.

والأمر الأكثر فداحة، أن هذا يحدث أمام عالم يعرف ويصمت. بيانات شجب خجولة، تحذيرات لا توقف شيئاً، ومجتمع دولي يراقب كما لو أن حياتهم لا تعني شيئاً. كأن العدالة مفهوم قابل للتجزئة، يطُبقّ هنا ويعُلقّ هناك.

في خضم هذا الصمت، تمرّ أسبوع مناهضة الأبارتهايد الإسرائيلي كصرخة أخلًقية، محاولة لإعادة البوصلة نحو جوهر القضية: نظام فصل عنصري كامل يسعى اليوم إلى شرعنة الإعدام. لكن هذه الصرخة تصطدم بعالم مُنهك، مشتتّ، أعيدت صياغة أولوياته قسرًا.

بينما شاهد العالم قطاع غزة يذُبح على الهواء، غابت الضفة الغربية، حيث ترُتكب إبادة “ناعمة” عبر الاستيطان، الاقتحامات، والقتل البطيء. وفي الوقت ذاته، تتسع رقعة الصراع: لبنان، إيران، سوريا… أزمات متلًحقة لتشتيت الانتباه وإغراق العالم في دوامة.

ومع كل إعلًن لوقف إطلًق النار، لا يتوقف النزيف، بل يتغير شكله. الإبادة مستمرة، التدمير مستمر، والمشهد يعُاد إنتاجه بوجوه مختلفة. الآن، مع الدفع نحو ضم الأراضي وتشريع الإعدام، تبدو المرحلة القادمة أكثر وضوحًا وأكثر قسوة.

لقد أنُهك العالم، ووزّع تعاطفه حتى كاد يفقد القدرة على التركيز. لكن الحقيقة التي لا يمكن طمسها مهما تعددت الجبهات: الجذر واحد، والمجرم واحد، وهو إسرائيل. هذا القانون، إن مرّ، لن يكون مجرد سابقة. إنه إعلًن بأن القتل يمكن أن يصبح سياسة، وأن التمييز يمكن أن  يشُرعن، وأن الإنسان يمكن أن يخُتزل إلى هوية تحدد ما إذا كان يستحق الحياة… أم حبل المو ت.

في النهاية، المسألة لم تعد قانونًا ولا سياسة.

المسألة الوحيدة: كم يساوي الإنسان؟ وهل بقي في هذا العالم ما يكفي من ضمير ليجيب ؟

موضوعات ذات صلة