الأثر النفسي للحرب على المجتمع في لبنان: جراح غير مرئية

الكاتبد. محمود الحنفي

لم تعد الحروب في لبنان تُقاس فقط بعدد الضحايا والدمار، بل بما تتركه من آثار نفسية عميقة تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالحرب، في جوهرها، ليست حدثاً عابراً، بل تجربة صادمة تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتُضعف إحساسه بالأمان والاستقرار.

أولاً: الطلاب بين القلق وانقطاع المستقبل

تأثّر الطلاب بشكل مباشر بالحرب، حيث تعطّلت المدارس أو تحوّلت إلى مراكز نزوح، ما أدى إلى فقدان البيئة التعليمية الآمنة. هذا الانقطاع لا يعني فقط تأخرًا دراسيًا، بل يخلق شعورًا بعدم اليقين تجاه المستقبل. وتشير تقارير صادرة عن منظمة اليونيسف في لبنان عام 2025 إلى أن نحو 72% من مقدّمي الرعاية أفادوا بأن أطفالهم يعانون من القلق والتوتر خلال الحرب. كما ظهرت صعوبات في التركيز وتراجع في التحصيل، وهو ما يهدد جيلاً كاملاً بفقدان فرصه التعليمية.

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات أممية حديثة (آذار/مارس 2026) إلى أن أكثر من 800 ألف شخص نزحوا نتيجة التصعيد، بينهم مئات الآلاف من الأطفال، ما يعني عملياً انقطاع عدد كبير من الطلاب، ولا سيما من مناطق الجنوب، عن التعليم أو انتقالهم إلى تعليم غير منتظم داخل مراكز الإيواء.

ثانياً: الأطفال… ذاكرة الخوف المستمر

الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة، لأن الحرب تصيبهم في مرحلة بناء الشخصية. وقد تجلت آثارها في القلق الدائم، واضطرابات النوم، والكوابيس، وفقدان الشعور بالأمان، بحسب تقارير إعلامية صادرة عن “اندبندنت عربية”. كما أظهرت تقارير ميدانية صادرة عن الأمم المتحدة في لبنان أن الأطفال يعانون من الانطواء أو السلوك العدواني وصعوبة التعبير عن مشاعرهم.

والأخطر أن هذه الصدمات قد تتحول إلى اضطرابات طويلة الأمد مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، الذي قد يرافق الطفل لسنوات وربما مدى الحياة إذا لم يُعالج بشكل صحيح، بحسب دراسات صادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية.

ثالثاً: النساء… عبء مزدوج بين الخوف والمسؤولية

النساء في أوقات الحرب لا يعانين فقط من الخوف، بل يتحملن عبئاً مضاعفاً يتمثل في رعاية الأسرة في ظروف قاسية. النزوح، فقدان الدخل، والخوف على الأبناء، كلها عوامل تزيد من مستويات التوتر والقلق. وفي كثير من الحالات، تتحول المرأة إلى العمود النفسي للأسرة، رغم أنها نفسها تعاني من الهشاشة والانهاك النفسي.

رابعاً: المجتمع ككل… هشاشة جماعية

لا يقتصر الأثر النفسي على فئة دون أخرى، بل يمتد ليشمل المجتمع بأكمله بوصفه حالة جماعية من الهشاشة. فقد أظهرت دراسات تربوية ونفسية صادرة في لبنان أن نحو ثلث السكان عانوا من أعراض القلق والاكتئاب في أعقاب الحروب، ما يعكس عمق الأثر الممتد لهذه الأزمات.

وتتجلى هذه الحالة في انتشار الخوف الجماعي، وتآكل الثقة بالمستقبل، وتراجع الإحساس بالاستقرار. كما يسهم النزوح القسري وفقدان المنازل في تفكك الروابط الاجتماعية، وإضعاف شبكات الدعم التقليدية، الأمر الذي يفاقم الشعور بالعزلة والانكشاف، ويجعل المجتمع أكثر عرضة للتوترات والاضطرابات على المدى الطويل.

خامساً: المضاعفات القريبة والبعيدة

على المدى القريب، تظهر أعراض مثل القلق، الاكتئاب، اضطرابات النوم، وفقدان الشهية. أما على المدى البعيد، فقد تتطور الحالة إلى اضطرابات نفسية مزمنة، ضعف في الإنتاجية، صعوبة في بناء العلاقات الاجتماعية، وحتى انتقال الصدمة عبر الأجيال.

كما أن تكرار الحروب في لبنان يجعل الصدمة تراكمية، بحيث لا يُمنح الأفراد الوقت الكافي للتعافي قبل التعرض لصدمة جديدة.

سادساً: سبل المعالجة والحل

معالجة الأثر النفسي للحرب ليست مسألة طبية فقط، بل هي مسؤولية اجتماعية وسياسية. ويمكن تلخيص أبرز الحلول في ثلاث مستويات:

1. الدعم النفسي الطارئ: توفير خدمات الإرشاد النفسي، خاصة للأطفال والنازحين، وتدريب المعلمين على التعامل مع الصدمات.

2. إعادة بناء البيئة الآمنة: إعادة فتح المدارس وتأمين مساحات آمنة للعب والتعلم، لأن الاستقرار اليومي هو أساس التعافي.

3. سياسات عامة مستدامة: إدماج الصحة النفسية في السياسات الحكومية، وتعزيز دور المجتمع المدني في تقديم الدعم، إلى جانب ضمان الحماية من تكرار العنف.

إن الحرب لا تنتهي عند توقف القصف، بل تستمر آثارها في النفوس، حيث تتحول إلى قلق دائم واضطراب في الإحساس بالأمان، يلازم الأفراد ويعيد تشكيل سلوكهم ونظرتهم إلى المستقبل. وفي لبنان، حيث تتكرر الأزمات، يصبح هذا الأثر النفسي تراكمياً، ينهك المجتمع ويضعف قدرته على التعافي.

غير أن هذه الأزمات النفسية لا تنشأ في فراغ، بل ترتبط بسلوكيات ممنهجة، وفي مقدمتها استهداف اسرائيلي لا يميّز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، إضافة إلى التهجير القسري وما يرافقه من اقتلاع للأفراد من بيئتهم الاجتماعية. هذه الممارسات، بما تحمله من تجارب دامية ومتكررة، تشكّل أحد الأسباب الجوهرية لتفاقم المعاناة النفسية لدى الأفراد والمجتمعات.

ومن هنا، فإن المعالجة الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على التعامل مع النتائج فقط، من خلال الدعم النفسي وإعادة التأهيل، بل يجب أن تمتد إلى معالجة الأسباب ذاتها. ويشمل ذلك تفعيل آليات المساءلة الدولية، والعمل على الضغط من أجل وقف الانتهاكات، وتعزيز دور المنظمات الدولية في حماية المدنيين وضمان احترام قواعد القانون الدولي.

إن الآثار لا تصيب البنيان فحسب، بل تمسّ الإنسان في جوهره، وهو محور القضية وأساس أي مسار حقيقي نحو العدالة والاستقرار.

موضوعات ذات صلة