لم تعد الحرب الدائرة اليوم مجرّد مواجهة عسكرية على الحدود، ولا حتّى صراعاً مُرتبطاً بتوازنات إقليمية مُعقّدة، بل تحوّلت في الداخل اللبناني إلى مرآة تعكس أزمة أعمق بكثير، أزمة مجتمع منقسم على نفسه، لا على خيار الحرب فحسب، بل على معنى الدولة، وهُويّة الوطن، وحدود الانتماء.
منذ انخراط حزب الله في هذه الحرب، بدا واضحاً أنّ اللبنانيين لا يعيشون الحدث نفسه، حتى وهم يتشاركون الأرض ذاتها؛ فريق يرى في المعركة امتداداً لصراع وجودي أكبر، وفريق آخر يعتبرها تورطاً خطيراً يضع لبنان في قلب مواجهة لا قدرة له على تحمّلها، لكن خلف هذا الانقسام الظاهر، يكمن شرخ أعمق، يتجاوز الموقف من الحرب والسلاح، ليصل إلى جذور النظام نفسه.
المشكلة في لبنان لم تبدأ مع هذه الحرب، ولن تنتهي بانتهائها، فالسلاح ليس سوى أحد تجلّيات أزمة بنيوية اسمها الطائفية، هذه الطائفية التي لم تعد مجرّد نظام سياسي، بل تحوّلت إلى وعي جماعي مُشوّه، يُعيد إنتاج الخوف، ويُغذّي الانقسام، ويمنع قيام دولة فعلية.
مجتمع منقسم على نفسه، لا على خيار الحرب فحسب، بل على معنى الدولة، وهوية الوطن، وحدود الانتماء
في ظلّ هذا الواقع، يصبح أيّ حدث كبير، كالحرب اليوم، مادة إضافية لتعميق الانقسام. فكلّ طائفة تقرأ ما يجري من زاويتها الخاصّة، وتبني سرديتها الخاصة، وتخوض معركتها النفسية الخاصة، وهكذا، بدل أن تكون الحرب عاملاً يوحّد اللبنانيين في مواجهة خطر خارجي، تتحوّل إلى عامل تفجير داخلي صامت. والأخطر أنّ هذا الانقسام لم يعد سياسياً فحسب، بل بات اجتماعياً وثقافياً ونفسياً، في الشارع، في الإعلام، وحتى داخل البيوت، تتكرّس لغة التخوين، ويُعاد إحياء خطاب “نحن” و”هم”، وكأنّ الحرب لم تقع بعد بما يكفي من مآسٍ لتكون عبرة.
وفي ظلّ غياب دولة قادرة على احتضان الجميع وفرض قرار سيادي موحّد، تتقدّم الهُويّات الطائفية لتملأ الفراغ، كلّ جماعة تبحث عن حماية ذاتية، وكلّ بيئة تنكفئ على نفسها، وكأنّ اللبنانيين يعيشون في جزر مُنفصلة، لا في وطن واحد.
هنا تحديداً يكمن الخطر الحقيقي، فالحروب الخارجية، مهما اشتدّت، تبقى محدودة بزمن وظروف، أمّا الانقسامات الداخلية، حين تُترك لتتفاقم، فإنها تتحوّل إلى قنابل موقوتة، قابلة للانفجار في أيّ لحظة.
بدل أن تكون الحرب عاملاً يوحّد اللبنانيين في مواجهة خطر خارجي، تتحوّل إلى عامل تفجير داخلي صامت
التاريخ اللبناني ليس بعيداً، وتجربة الحرب الأهلية لا تزال حيّة في الذاكرة، وما نشهده اليوم، من احتقان وخطاب مُتشنّج وانعدام للثقة، يشبه إلى حدّ كبير المقدّمات التي سبقت الانفجار الكبير. الفارق الوحيد أنّ الانهيار الاقتصادي اليوم يجعل الأرض أكثر هشاشة، والمجتمع أكثر قابلية للانزلاق.
ومع كلّ يوم تستمر فيه الحرب، يكبر الخوف ممّا بعدها، ليس من إعادة الإعمار أو من الخسائر فحسب، بل من شكل العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم، خاصّة في ظلّ لغة التخوين الترهيب والتهديد بالانقلابات واللجوء إلى الشارع، وإسقاط الحكومة، والفوضى، واعتماد منطق القوّة، من كلّ حدب وصوب.
المأزق الحقيقي يكمن في أنّ لبنان لم يحسم يوماً خياره كدولة، بقي عالقاً بين مشروعَين، بين منطق الدولة ومنطق الدويلة، بين الهُويّة الوطنية والهُويّات الفرعية، والحرب اليوم لا تفعل سوى تعرية هذا التناقض، ودفعه إلى أقصى حدوده، لذلك؛ فإنّ الخوف من الحرب الأهلية ليس مبالغة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإنكار، صحيح أنّ الظروف قد لا تكون مطابقة للماضي، لكن عناصر الانفجار موجودة: سلاح خارج الدولة، انقسام عمودي، خطاب تعبوي، وأزمة اقتصادية خانقة.
لا يمكن لأيّ طائفة أن تنتصر وحدها، ولا لأيّ فريق أن يلغي الآخر
والأخطر من كلّ ذلك، هو استمرار التعاطي مع هذه الأزمة وكأنّها ظرف عابر، لا كأزمة وجودية تتطلّب إعادة نظر جذرية في بنية النظام ككل، فلبنان لا يمكن أن يستمر بهذا الشكل، ولا يمكن لأيّ طائفة أن تنتصر وحدها، ولا لأيّ فريق أن يلغي الآخر.
وفي النهاية، لا بُدّ أن يعي الداخل والخارج أنّ المشكلة ليست في من يملك السلاح فحسب، بل في مجتمعٍ لا يزال يرى نفسه طوائف قبل أن يكون شعباً، وفي دولةٍ لم تُبنَ يوماً على قاعدة المواطنة، بل على توازنات هشّة قابلة للانفجار عند أول اختبار.