| | |

بين الحرب والتقصير: مخيم برج البراجنة على حافة الانهيار

في مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت لم تعد المأساة حدثًا طارئًا بل واقعًا يوميًا متراكمًا.. هناك تتقاطع أزمتان في لحظة واحدة: قصف يطال محيط المخيم ويهدد سكانه وإهمال داخلي يترك من تبقّى يواجه مصيره بلا حماية ولا خدمات.

ولم يعد السؤال كيف يعيش الناس بل كيف ما زالوا قادرين على البقاء والصمود.

قصف عند الأطراف وخطر في الداخل

لم يعد القصف الذي يطال محيط مخيم برج البراجنة حدثًا خارجيًا يمكن احتواؤه بل تحوّل إلى عامل مباشر يضرب عمق المخيم كاشفًا هشاشة بنيته وتراكم سنوات من الإهمال، فقد تضررت عشرات المنازل ليس فقط بفعل شدة القصف بل نتيجة واقع إنشائي متداعٍ لم يخضع لأي ترميم جدي منذ سنوات.

الضربات لم تكن وحدها السبب بل ما سبقها من غياب الصيانة وترك الأبنية تتآكل بصمت حتى باتت أقل صدمة كفيلة بإحداث تصدعات خطيرة وانهيارات جزئية.

في هذا السياق تتجه أصابع الاتهام نحو وكالة الأونروا التي تترك اللاجئين وحدهم في أحلك الظروف وسط تساؤلات متزايدة حول تقاعسها في متابعة ملف الترميم وترك آلاف السكان داخل مساكن لا توفر الحد الأدنى من الأمان في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها إلى الحماية.

نزوح قسري وبقاء على حافة العجز

تحت وطأة القصف وتداعي المنازل، خرجت عائلات على عجل تاركة خلفها بيوتًا مهددة أو متصدعة وذكرياتٍ معلّقة..نزوح بلا ضمانات وبلا أفق واضح للعودة.

في المقابل، بقيت شريحة واسعة من الأهالي داخل المخيم لا لأن الظروف تسمح بل لأن الخيارات انعدمت.. هؤلاء يعيشون اليوم في قلب الخطر داخل بيئة غير آمنة بلا بدائل سكنية وبلا أي شبكة حماية فعلية ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع كل تصعيد ومع كل تداعٍ جديد.

خدمات شبه منهارة وفقدان ثقة متصاعد

داخل المخيم تتجلى أزمة لا تقل خطورة عن القصف نفسه حيث يشهد المخيم انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية في مقدمتها الكهرباء والمياه، فالكهرباء باتت شبه معدومة وإن توفرت فهي لساعات محدودة لا تكفي لتسيير الحد الأدنى من الحياة اليومية، فيما تعاني المياه من انقطاع متكرر وعدم انتظام في التوزيع. ورغم هذا الواقع لا تزال المطالبات المالية قائمة وكأن الخدمات تُقدَّم بشكل طبيعي..

هذا التناقض فاقم حالة الاحتقان بين الأهالي وأدى إلى تراجع واضح في مستوى الثقة بالجهات المسؤولة عن إدارة هذه الخدمات، وفي ظل هذا الشعور اتجه عدد من السكان إلى الامتناع عن دفع الاشتراكات كوسيلة ضغط لإعادة تنظيم القطاع وتحسين مستوى التزويد بعد أن باتت القناعة السائدة أن الدفع لم يعد ينعكس على تحسين الواقع.

كما يعكس هذا التوجه حالة أعمق من الغضب ترتبط بتصاعد الحديث داخل المخيم عن الفوضى وغياب الرقابة ومقارنة مستمرة بين واقع الخدمات الحالي وفترات سابقة كانت أكثر استقرارًا رغم الظروف الصعبة.

صمود بلا أفق وصرخة تنتظر جوابًا

في مخيم برج البراجنة لا تتوزع الأزمة على عناوين منفصلة بل تتكثف في مشهد واحد: قصف يضغط من الخارج وإهمال يستنزف من بقي في الداخل وحياة يومية تتآكل تحت وطأة الاثنين معًا..

من بقي في المخيم لا يعيش حالة صمود بطولي بقدر ما يعيش حالة اضطرار قاسية، بقاءٌ مفروض لا خيار فيه في ظل غياب أي بدائل حقيقية أو تدخل فعلي يخفف من حجم الانهيار..

البيوت مهددة والخدمات شبه غائبة والأعباء تتزايد فيما تتراكم الأسئلة دون إجابات، وفي هذا الفراغ تتحول صرخة الأهالي من مطلبٍ معيشي إلى نداءٍ إنساني مفتوح بأن يُنظر إلى من صمد في مخيمه لا كأرقام في أزمة بل كأناس يستحقون الحد الأدنى من الكرامة والحماية.

موضوعات ذات صلة