لم تعد الحدود اللبنانية الفلسطينية مجرد خطوط تماس جغرافي، بل تحولت إلى “ثقب أسود” يبتلع ألوية النخبة في جيش الاحتلال. مع إعلان العدو عن بدء توغله البري، ظنّ أن الكثافة النارية والأحزمة الزلزالية ستمهد الطريق لنزهة سريعة، لكنه اصطدم بحائط بشري صلب تقوده “قوات الرضوان”، التي حولت القرى الأمامية إلى ساحات حرب استنزاف ضارية، وضعت “أسطورة الميركافا” وهيبة “إيغوز” على المحك.
يمكن قراءة المشهد الميداني الحالي من خلال ثلاث نقاط ارتكاز أساسية:
١- استراتيجية “بقع القتل”:
تعتمد قوة الرضوان تكتيك “الدفاع المرن”، حيث تسمح للقوات المتوغلة بالتقدم إلى نقاط معينة قبل إطباق الكمائن عليها من المسافة صفر. هذا يفسر حجم الخسائر الكبيرة في العدة والعتاد التي يعجز الغطاء الجوي عن منعها.
٢-الاستنزاف الجوي للإخلاء:
تحول مروحيات العدو إلى “سيارات إسعاف طائرة” تعمل بالعشرات وعلى مدار الساعة، يعكس حجم الإصابات المحققة. إن انتقال المعركة إلى القتال الالتحامي جعل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي معطلاً أمام مقاتل يتحرك في بيئة جغرافية يعرف أدق تفاصيلها.
٣- فشل “الأرض المحروقة”:
رغم الأحزمة النارية الهائلة وسياسة تدمير القرى، إلا أن البنية التحتية القتالية للمقاومة أثبتت قدرتها على الصمود والعمل تحت الضغط، مما يعني أن التفوق الجوي لم ينجح في كسر إرادة القتال أو قطع خطوط الإمداد الأمامية.
إن ما يحدث في القرى الأمامية ليس مجرد اشتباكات حدودية، بل هو صراع إرادات وتثبيت لمعادلات ميدانية جديدة. العدو الذي جاء لتأمين عودة مستوطنيه، يجد نفسه اليوم يغرق في وحل استنزاف بشري ومادي غير مسبوق، مما يجعل من “النصر الحاسم” الذي وعدت به قيادته مجرد سراب يتبدد عند أول صرخة جندي في كمائن الجنوب.
الميدان هو من يكتب السطور الأخيرة لهذا الصراع؛ فكلما زاد التوغل، زادت كلفة الفاتورة التي يدفعها الاحتلال. التاريخ يعيد نفسه في الجنوب اللبناني، حيث تثبت “قوة الرضوان” أن الأرض تقاتل مع أصحابها، وأن القوة العسكرية الغاشمة قد تدمر الحجر، لكنها تعجز عن كسر عقيدة القتال الملتحم.