في مخيم عين الحلوة أكبر المخيمات الفلسطينية في لبنان، لا تُروى المعاناة بالأرقام بل بوجوه الناس التي أثقلها التعب، فالحرب الأخيرة لم تترك فقط آثاراً أمنية بل دفعت الحياة اليومية إلى حافة الانهيار حيث أصبح تأمين لقمة العيش تحدياً يومياً وتحوّلت أبسط الحقوق إلى عبء ثقيل على كاهل السكان في ظل غياب شبه كامل للدعم والخدمات.
داخل المحال لتجارية الصغيرة التي كانت يوماً مصدر رزق لعشرات العائلات تبدو الحركة اليوم خجولة ومثقلة بالقلق، يقول أحد أصحاب المحال إن ما يمر به المخيم ليس مجرد أزمة عابرة بل انهيار حقيقي في القدرة على الاستمرار.. ويضيف أن الحركة التجارية تراجعت بشكل حاد والأعمال باتت مهددة بالتوقف في ظل غياب السيولة وتراجع القدرة الشرائية وكثيرون فقدوا وظائفهم وآخرون بالكاد يتمكنون من تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
معاناة بلا صوت
يعكس الواقع اليومي داخل المخيم حجم الانهيار الذي يعيشه السكان، حيث يصف عبدالله خليفة وهو صاحب محل تجاري الظروف بأنها وصلت إلى مرحلة قاسية لم تعد تُحتمل فالحركة التجارية تراجعت بشكل كبير والخدمات تكاد تكون غائبة فيما تركت الأحداث الأخيرة آثارها الثقيلة على مختلف جوانب الحياة سواء داخل المخيم أو في محيطه ما جعل تأمين لقمة العيش مهمة شاقة للكثيرين.
من جهتها، تشير علا العلي أيضاً في حديث خاص لموقع صدى إلى أن الأزمة لم تعد محصورة بالغلاء أو ضعف القدرة الشرائية بل تحولت إلى أزمة معيشية خانقة، ففرص العمل تقلّصت بشكل ملحوظ والعديد من العمال فقدوا مصادر دخلهم في وقت تعيش فيه عائلات كثيرة حالة نزوح بعد مغادرة منازلها لتجد نفسها أمام واقع أكثر قسوة دون أي دعم فعلي يخفف من أعبائها.
وتتقاطع هذه الشهادات مع صورة أوسع داخل المخيم، حيث تتعمّق الأزمة الاقتصادية وتتراجع مقومات الحياة الأساسية بينما يتزايد شعور السكان بأنهم تُركوا لمواجهة هذه الظروف بمفردهم في ظل غياب الحلول والدعم الكافي.
الأونروا: غياب يفاقم الانهيار
في قلب هذه الأزمة المتصاعدة يحمّل سكان المخيم تراجع دور وكالة الأونروا مسؤولية أساسية في تفاقم معاناتهم معتبرين أن غيابها لم يعد مبرَّراً في ظل حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشونها، فمع تقليص الخدمات بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة وجد الأهالي أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الفقر والعجز دون أي شبكة أمان حقيقية.
هذا التراجع لم يقتصر على جانب واحد بل طال مختلف القطاعات خاصة في الإغاثة والرعاية الأساسية ما انعكس بشكل قاسٍ على حياة آلاف العائلات داخل المخيم. ويؤكد السكان أن ما يجري يتجاوز مجرد أزمة تمويل أو إجراءات تنظيمية ليصل إلى حالة من الغياب شبه الكامل عن المشهد في وقت تتضاعف فيه الاحتياجات يوماً بعد يوم. فالعائلات التي فقدت مصادر دخلها أو نزحت من منازلها لم تجد الحد الأدنى من الدعم الذي يمكن أن يساعدها على الصمود.
ويحذّر الأهالي من أن استمرار هذا الغياب يفاقم من هشاشة الوضع داخل المخيم ويفتح الباب أمام مزيد من الانهيار الاجتماعي والإنساني في ظل غياب أي جهة قادرة على تعويض هذا الدور، ويشدّدون على أن المسؤولية لا يمكن تجاهلها خاصة أن الأونروا تُعد الجهة الأساسية المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين ما يجعل تقاعسها موضع انتقاد واسع وغضب متصاعد بين السكان.
حياة يومية تحت الضغط
لا تقتصر المعاناة على الاقتصاد فقط بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية من القلق من المستقبل والخوف من تكرار التوترات والعجز عن تأمين أبسط مقومات العيش.. كلها عوامل تثقل كاهل السكان. ورغم ذلك يستمر أهالي المخيم في التمسك بالحياة مستندين إلى صمود طويل وتجارب قاسية مرّوا بها على مدار السنوات.
في مخيم عين الحلوة لم تعد المعاناة خبراً عابراً بل واقعاً يومياً يثقل كاهل آلاف العائلات التي تُركت تواجه مصيرها وحيدة، بين حرب مستمرة لم تنتهِ آثارها واقتصاد ينهار وغياب واضح للجهات المعنية تتآكل مقومات الحياة تدريجياً.
ورغم كل ذلك لا يزال السكان يتمسكون بما تبقى من قدرة على الصمود لكن هذا الصمود لم يعد كافياً وحده، فبدون تدخل جدي ومسؤول يعيد الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية يبقى المخيم مفتوحاً على مزيد من التدهور حيث يصبح السؤال ليس كيف يعيش الناس بل إلى متى يمكنهم الاستمرار في هذه الظروف.
Related