| | |

كيف يعيش اللاجئون في مخيم الجليل تحت وطأة الحرب

حسين منصور – البقاع

يعيش أهالي مخيم الجليل في لبنان أوضاعًا إنسانية واقتصادية صعبة، تتفاقم مع استمرار الحرب الجارية، التي ألقت بظلالها الثقيلة على تفاصيل حياتهم اليومية. فالمخيم، الذي لم يتعافَ بعد من آثار حرب عام 2024، يجد نفسه اليوم أمام أزمة جديدة تُعمّق معاناة السكان وتدفعهم إلى مزيد من الضيق والفقر.

تتجلى الأزمة بشكل واضح في الارتفاع الكبير بأسعار السلع الأساسية، حيث لم يعد بإمكان الكثير من العائلات تأمين احتياجاتها اليومية. الغلاء طال كل شيء، من المواد الغذائية إلى المحروقات، ما جعل الحياة داخل المخيم أكثر قسوة، خاصة في ظل غياب أي مصادر دخل ثابتة.

توقف الأعمال وانعدام فرص العمل

الحرب لم تؤثر فقط على الأسعار، بل شلّت أيضًا عجلة العمل داخل المخيم وخارجه. فقد توقفت معظم الأعمال والمهن، خصوصًا تلك التي يعتمد فيها سكان المخيم على العمل خارج حدوده. ومع كل تصعيد أمني أو غارات، يضطر العمال للبقاء في منازلهم، ما يعني انقطاع مصدر رزقهم بشكل كامل.

يقول اللاجئ الفلسطيني رجب عدوان إن “الأوضاع صعبة، والناس لا تزال تعاني من آثار الحرب الماضية عام 2024، خرجنا من حرب إلى حرب جديدة، ومع هذه الحرب توقفت معظم الأعمال، والناس في منازلها”. ويعكس هذا الواقع حالة عامة يعيشها سكان المخيم، حيث باتت البطالة القسرية جزءًا من حياتهم اليومية.

الأسواق راكدة والقدرة الشرائية منهارة

في الأسواق، تبدو الحركة شبه معدومة، وهو ما يؤكده أصحاب المحال الذين يواجهون تحديات كبيرة في الاستمرار. محمد الساهي، وهو صاحب ملحمة، يوضح أن “الحرب أوقفت معظم المصالح والأعمال، و90% من الناس يعملون خارج المخيم، وعند التوتر الجميع يجلس في منازله”.

ويضيف أن الغلاء أثر عليه بشكل مباشر، إذ اضطر إلى رفع الأسعار بشكل طفيف نتيجة ارتفاع كلفة الشراء من المصدر وأسعار المحروقات، رغم محاولته مراعاة أوضاع الناس. ويقول: “لا نربح إلا بالحد الأدنى، فقط لتغطية ثمن البضاعة وإيجار الملحمة وتأمين الأساسيات”.

أما طه طه، صاحب محل خضار، فيشير إلى أن “لا توجد حركة شرائية تُذكر، الحرب أثرت على الجميع، سواء أصحاب المحلات أو الناس”، في حين يؤكد قصي محمد، صاحب متجر مواد غذائية، أن التجار رفعوا أسعار البضائع بشكل كبير، ما اضطرهم بدورهم إلى رفع الأسعار، مضيفًا أن الفلسطيني يعاني أساسًا من محدودية فرص العمل، “ويسعى لتأمين لقمة عيشه لكنها لا تكفيه”.

عمال بلا دخل ومعاناة يومية

العمال الذين يعتمدون على الأجر اليومي هم الأكثر تضررًا من هذه الظروف. فادي العراقي، أحد هؤلاء العمال، يقول: “أعمل كأجير يومي خارج المخيم، وعند حدوث غارات أو توتر نضطر للإقفال، وأحيانًا يستمر ذلك لأيام، وبالتالي لا يوجد لدي أي مصدر دخل”.

هذه الحالة تعكس هشاشة الواقع الاقتصادي داخل المخيم، حيث يعتمد الكثيرون على أعمال غير مستقرة، تتوقف بالكامل مع أي تصعيد أمني، ما يضعهم أمام خيارات صعبة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

أزمة محروقات تؤثر على الجميع

ارتفاع أسعار المحروقات زاد من تعقيد المشهد، خصوصًا بالنسبة للعاملين في قطاع النقل. خالد الجبر، سائق سيارة أجرة، يقول إن “ارتفاع أسعار المحروقات أثر علينا كثيرًا، وبالكاد نستطيع تأمين ثمن الوقود، إضافة إلى أن الناس تخشى التنقل بسبب الحرب”، ما يعني تراجعًا في عدد الزبائن والدخل اليومي.

غياب الدعم وتراجع دور المؤسسات

في ظل هذه الظروف القاسية، يشتكي سكان المخيم من غياب الدعم الحقيقي، سواء من المؤسسات المحلية أو الدولية. المساعدات، بحسب شهادات الأهالي، “شحيحة وقليلة جدًا”، ولا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات.

ويؤكد أبو نظمي عليان أن “الحرب والغلاء أثرا على الجميع، ونطالب المؤسسات، خاصة الأونروا، بالنظر إلى أوضاع الناس في المخيم”، معبرًا عن أمله بأن تنفرج الأزمة قريبًا.

لكن الواقع يشير إلى أن الخدمات المقدمة من الجهات المعنية، وعلى رأسها الأونروا، لا تزال محدودة، وتقتصر على الحد الأدنى من الإغاثة، ما يزيد من شعور اللاجئين بالإهمال والتهميش.

أزمة مفتوحة على المجهول

مع استمرار الحرب، تبدو الأوضاع في مخيم الجليل مرشحة لمزيد من التدهور، في ظل غياب حلول حقيقية أو تدخلات فعالة تخفف من معاناة السكان. وبين الغلاء، وانعدام العمل، وضعف الدعم، يواجه أهالي المخيم تحديات يومية للبقاء، وسط حالة من القلق والترقب لما قد تحمله الأيام المقبلة.

ورغم كل ذلك، يتمسك السكان بالأمل، بانتظار انفراجة تنهي هذه المعاناة الممتدة، وتعيد إليهم الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة الإنسانية.

موضوعات ذات صلة