من استوديوهات هوليوود إلى غرفة حرب ترامب حكاية كذبة

الكاتبخالد نزال

“في هوليوود، النهاية السعيدة مكتوبة مسبقًا. في السياسة، النهاية تُكتب بالدم”.
تخيل معي، أنك تجلس في غرفة معتمرة، رائحة الفشار تملأ الهواء، وعلى الشاشة أمامك فيلم قديم من تسعينيات القرن الماضيWag the Dog”” يتحدث عن صناعة التضليل الاعلامي  . في المشهد الافتتاحي للفيلم بطل القصة مستشار سياسي ذكي ، ورفيقه منتج هوليوودي محترف. المهمة ؟

بسيطة ومجنونة في آن واحد الا وهي اختلاق حرب وهمية مع دولة اسمها “ألبانيا”، ليس لأن هناك عدوانًا حقيقيًا، ولا لأن هناك تهديدًا أمنيًا، بل لأن الرئيس الأمريكي تورط في فضيحة أخلاقية قبل أيام من الانتخابات، ويحتاج إلى شيء أي شيء يصرف انتباه الناس.

في الفيلم، يجلس الفريق في غرفة مغلقة، يكتبون السيناريو، يختارون الممثلين، يصممون المعارك بالمؤثرات الخاصة، وحتى “البطل” الذي سينقذ الموقف هو مجرد ممثل تم استئجاره. ثم يبثون القصة على شاشات التلفاز، فيصدقها الجمهور، ويتحول الرئيس من متهم إلى منقذ، وتُطمر الفضيحة تحت ركام “الانتصار الوطني”. النهاية سعيدة. الجمهور يصفق. الكاميرا تبتعد ببطء.

لكن… هل لاحظت تلك الثواني الأخيرة؟ تلك النظرة الخفيفة على وجه أحد المستشارين؟ ذلك الشك الخافت الذي يقول: “الكذبة نجحت… لكن إلى متى؟”.

كان ذلك في 1997. كنا نضحك على الفكرة. نقول: “هذا مستحيل. حتى هوليوود لا تجرؤ على هذا القدر من الجنون”.
ثم مرّت السنوات. وتغيرت المشاهد. وانتقلنا من صالات السينما إلى شاشات هواتفنا، ومن استوديوهات هوليوود إلى غرف عمليات البيت الأبيض.

وذات مساء، في عام 2026، وجدتُ نفسي أشاهد خطابًا رئاسيًا، وأسمع كلمات مألوفة: “لقد محونا المنشآت النووية الإيرانية تمامًا”، “النصر وشيك”، “إيران على حافة الانهيار”. وكنت أتساءل: هل هذا خطاب سياسي… أم مشهد من فيلم لم يُعلن عن إنتاجه بعد؟
الحقيقة، يا صديقي، أن القصة لم تعد خيالًا.

ففي مارس 2026، نشرت وزارة العدل الأمريكية وثائق قضية إبستين، وظهر اسم الرئيس ترامب فيها أكثر من 5300 مرة، مع إشارات إلى اتهامات خطيرة بالتحرش بقاصرات. وقبلها، في يونيو 2025، سربت شبكة CNN تقارير من البنتاغون تؤكد أن الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية لم تحقق “التدمير الكامل” الذي أُعلن عنه، بل تسببت فقط في أضرار طفيفة. وفي مارس 2026 أيضًا، كشف تحقيق لنيويورك تايمز أن مقطع الفيديو الذي اتهم ترامب وسائل الإعلام بنشره والذي يظهر حاملة طائرات أمريكية تحترق لم تنشره أي وسيلة إعلامية كبرى، بل ظهر أولًا على حسابات مجهولة، وتبين لاحقًا أنه مفبرك بالذكاء الاصطناعي.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ليس بسخرية هذه المرة، بل بقلق حقيقي: إذا كانت هوليوود تحتاج إلى ميزانية ضخمة، وفريق محترف، وأسابيع من التحضير، لاختلاق حرب وهمية في فيلم… فكيف بالبيت الأبيض الذي يملك المنابر، والسلطة، ووسائل الإعلام الموالية، ومستشارين “روحانيين” يكررون له أنه “مختار إلهيًا”، كيف به أن يختلق حربًا حقيقية، بناءً على تقارير استخباراتية مشكوك فيها، ووعود بانتفاضة شعبية لم تحدث، ومقاطع فيديو مُصنعة بالذكاء الاصطناعي؟

في الفيلم، كان الجمهور ينتظر النشرة المسائية ليصدق الخبر. اليوم، الجمهور يملك هاتفًا في يده، وتيك توك في جيبه، وذكاءً اصطناعيًا يساعده على التحقق من المعلومة في ثوانٍ. في الفيلم، كان التضليل ينتشر ببطء، عبر قنوات محدودة. اليوم، المعلومة موثقة كانت أم كاذبة تنتشر كالنار في الهشيم، ويصبح تفنيدها ممكنًا قبل أن ينتهي الخطاب الرئاسي.

لقد حاول ترامب، كما حاول بطل الفيلم قبله، أن يصرف الانتباه. أن يحول النقاش من فضائح إبستين إلى حرب إيران. أن يحول النقد إلى “خيانة”، والصحفيين إلى “أعداء”، والناشطين إلى “عملاء”. لكن شيئًا تغير.
فحين أعلن ترامب أن مضيق هرمز سيفتح قريبًا، نشر ناشطون إيرانيون مقاطع بالأقمار الصناعية تظهر الزوارق الإيرانية وهي تغلقه فعليًا، وحصدت تلك المقاطع ملايين المشاهدات في ساعات. وحين روج لفكرة “انتفاضة شعبية” في إيران، وثق ناشطون من داخل طهران أن الحياة طبيعية، وأن الاحتجاجات إن وجدت لا تتجاوز بضع عشرات.

وحين حاول تغيير الوجهة بالهجوم على الإعلام، مع امكانية واعادة هاشتاغ #EpsteinFiles إلى الترند العالمي، وكأن الحقيقة تملك قدرة غريبة على البقاء، رغم كل محاولات الدفن.

حتى استطلاعات الرأي بدأت تحكي قصة مختلفة. ففي أبريل 2026، أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك أن 58% من الأمريكيين يعارضون الحرب على إيران، وأن 61% لا يثقون في المعلومات الصادرة عن البيت الأبيض. وحتى بين الجمهوريين، انخفض تأييد الحرب من 82% في يناير إلى 54% في أبريل. الأرقام لا تكذب، حتى لو حاول البعض تزييفها.

والآن، عد معي إلى تلك النظرة في نهاية الفيلم. ذلك الشك الخفي. ذلك السؤال الذي لم يُنطق بصوت عالٍ: “ماذا لو اكتشف الجمهور الحقيقة؟”.

اليوم، الجمهور لم يعد ينتظر أن تُكشف له الحقيقة. بل أصبح يبحث عنها بنفسه. يتحقق من المصادر. يقارن الخطابات. يوثق التناقضات. يشارك النتائج. وفي عصر ينتقل فيه الخبر الموثق من واشنطن إلى الرياض إلى طهران في ثوانٍ، وفي عصر يستطيع فيه أي شخص لديه هاتف ذكي وقليل من المعرفة أن يفكك خطابًا رئاسيًا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، هل يمكن حقًا أن تنطلي كذبة بحجم حرب على جمهور لم يعد مجرد متلقٍ، بل أصبح محققًا، وناشرًا، وناقدًا في آن واحد؟

في الفيلم، انتهت القصة بنهاية سعيدة. الرئيس أُعيد انتخابه. الكذبة دُفنت. والجمهور صفق.

لكننا لا نعيش في فيلم.
نحن نعيش في واقع حيث السفينة تغرق ببطء، حيث “الميجا” أكثر المؤيدين ولاءً بدأوا بالقفز، حيث الاقتصاد يهتز، حيث ملفات إبستين لا تموت، حيث الناشطون لا ينسون، حيث الحقيقة، رغم كل محاولات التشويه، تجد الحقيقة دائمًا طريقها إلى النور.

وربما، فقط ربما، هذه هي النهاية المختلفة التي لم يتوقعها صناع الكذبة أن الجمهور لم يعد ذلك الطفل الذي يصدق أي حكاية تُحكى له قبل النوم، بل أصبح ذلك المراهق الذكي الذي يمسك هاتفه، ويبحث في جوجل، ويشاهد الفيديو الأصلي، ويقارن المصادر، ثم يكتب تعليقًا ساخرًا يحصد آلاف الإعجابات.

هل يمكن أن تنطلي الكذبة مرة أخرى؟
ربما. لكن ليس بهذه السهولة. وليس على هذا الجمهور. وليس في هذا العصر.
لأن الكذبة، كما يقولون، قد تجري، لكن الحقيقة تركض أسرع. خاصة حين تكون مزودة بتطبيق، واتصال إنترنت، وقليل من الشك الصحي.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: عندما يتحول الفيلم الساخر إلى وثائقي مرعب، من سيكون البطل الحقيقي؟ من سيكتب النهاية؟ ومن سيضحك في الأخير؟
الجواب، يا صديقي، لم يعد في هوليوود. بل بين يديك أنت..

موضوعات ذات صلة