لم يعد الحديث عن رواتب الشهداء والجرحى والأسرى مجرد نقاش إداري أو أزمة مالية عابرة، بل بات عنوانًا لأزمة أعمق تمس العلاقة بين القيادة ومن دفعوا أثمان النضال.. فهذه الرواتب ليست مساعدة أو منّة، بل حق طبيعي وامتداد لمسؤولية وطنية وأخلاقية لا تقبل التأجيل أو المساومة.
ومع مرور أشهر طويلة على انقطاع هذه المستحقات تتكشف فجوة مقلقة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي، حيث تُترك عائلات كاملة لمواجهة مصيرها في ظل ظروف قاسية دون أي أفق واضح للحل.
ثمانية أشهر من الصمت وثقل الانتظار
في المخيمات والمدن لم يعد الانتظار مجرد حالة مؤقتة بل تحول إلى عبء يومي يثقل كاهل العائلات. فأمهات الشهداء يواجهن الغياب بصبرٍ مكسور، وذوو الجرحى يكافحون بين الألم والحاجة فيما تعيش عائلات الأسرى على وقع الغياب المركّب: غياب الأب وغياب الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
هذه الأشهر لم تكن مجرد وقت ضائع بل فترة تراكمت فيها الضغوط وتآكلت خلالها قدرة الناس على الصمود وسط شعور متزايد بأن قضيتهم لم تعد في صدارة الاهتمام.
خلل في الأولويات أم غياب في الإرادة؟
تبرير الأزمة بعوامل مالية أو إدارية لم يعد مقنعًا بالنسبة للعائلات لأن القضية ببساطة تتعلق بأولوياتهم.. فحين تتراجع حقوق هذه الفئات فإن ذلك يعكس خللًا في ترتيب الملفات أو غيابًا للإرادة السياسية اللازمة لمعالجة هذا الجرح المفتوح والخطورة لا تكمن فقط في تأخر الرواتب بل في الرسالة التي تصل إلى الشارع: هل أصبحت تضحيات الشهداء والجرحى والأسرى عبئًا يمكن تأجيله؟ وهل تحوّل الوفاء إلى شعار لا يترجم على أرض الواقع؟
اختبار حقيقي لا يحتمل التأجيل
مع اقتراب انعقاد المؤتمر الحركي العام الثامن لحركة فتح لا يمكن التعامل مع هذا الملف كقضية ثانوية بل يجب أن يكون في قلب النقاش باعتباره معيارًا لجدية المراجعة وإرادة التصحيح وبذلك فإن المؤتمر أمام فرصة حقيقية: إما أن يعيد الاعتبار لهذه الفئات بقرارات واضحة وملزمة أو أن يكرّس فجوة أكبر بين القيادة والقاعدة.
فعلى مدار الأشهر الماضية لم تغب الوعود لكنها بقيت بلا ترجمة ملموسة وهذا التباين بين القول والفعل عمّق حالة الغضب وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدية التعاطي مع هذا الملف.
لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الأوطان لا تُبنى فقط بالشعارات بل بحفظ حقوق من صنعوا تاريخها ومن دون ذلك تفقد جزءًا من معناها قبل أن تفقد ثقة أبنائها.