يتواصل استهداف المخيمات الفلسطينية في لبنان ضمن سياق أوسع من الاعتداءات الإسرائيلية حيث لم تكن مخيم البرج الشمالي سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضربات التي طالت تجمعات اللاجئين رغم طابعها المدني واكتظاظها السكاني.. هذا الاستهداف يعكس في أبعاده السياسية محاولة مستمرة للضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة وضرب الاستقرار الاجتماعي داخل المخيمات التي تمثل رمزاً للوجود الفلسطيني في الشتات.
ولم يكن استهداف المخيمات الفلسطينية في لبنان حدثاً طارئاً بل يمتد جذره إلى عقود طويلة أبرزها مجزرة مجزرة صبرا وشاتيلا التي شكّلت واحدة من أكثر المحطات دموية في تاريخ اللاجئين الفلسطينيين وما رافقها من حصار واستهداف مباشر للمخيمات خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وخلال السنوات الأخيرة عادت المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى واجهة الاستهداف ليس فقط كأهداف مباشرة بل أيضاً كمساحات تتأثر بشكل دائم بتداعيات التصعيد العسكري في الجنوب، حيث بات القصف القريب وامتداد نيرانه إلى محيط المخيمات يشكّل تهديداً مستمراً لحياة المدنيين. ويضع هذا الواقع آلاف اللاجئين في دائرة خطر مفتوحة في ظل بيئة مكتظة تفتقر إلى البنى التحتية الكفيلة بالحماية، ما يجعل أي تصعيد عسكري كفيلاً بتحويل هذه المخيمات إلى نقاط هشّة تتلقى ارتداد الضربات، حتى عندما لا تكون الهدف المباشر.
صمود تحت النار
تعكس شهادات الأهالي التي وثّقها موقع صدى الشتات مشهداً واضحاً من الصمود الشعبي داخل مخيم البرج الشمالي الذي استهدف الاحتلال أطرافه مؤخراً والذي يندرج في سياق استهداف ممنهج للبيئة الحاضنة للمقاومة.
وبحسب إفادات السكان، فإن الانفجار العنيف الذي هزّ المخيم ليلاً بثّ حالة من الذعر خصوصاً بين الأطفال، غير أن هذه اللحظات سرعان ما تحولت إلى حالة من التماسك والصمود حيث تحرك الأهالي بشكل جماعي لاحتواء آثار القصف وتأمين العائلات في صورة تعبّر عن وعي متجذر بطبيعة المواجهة مع الاحتلال وخبرة طويلة في الصمود تحت النار.
ويؤكد السكان في حديثهم لصدى الشتات أن هذا العدوان فشل في كسر إرادتهم أو دفعهم إلى النزوح مشددين على أن الأضرار رغم اتساعها بقيت مادية فيما بقيت العائلات ثابتة في منازلها متمسكة بخيار الصمود كجزء من معركة مفتوحة مع الاحتلال.
التآخي بين المخيم والجوار
في موازاة العدوان، برز مشهد التلاحم بين أبناء المخيم ومحيطه في الجنوب اللبناني كعنوان سياسي وشعبي يعكس وحدة الساحات في مواجهة الاحتلال.. الشهادات التي جمعها موقع صدى الشتات أظهرت أن ما يجمع الفلسطينيين وأبناء الجنوب يتجاوز حدود التضامن الإنساني ليصل إلى مستوى الشراكة الفعلية في المواجهة حيث يُنظر إلى استهداف المخيمات كجزء من العدوان على الجنوب والبيئة المقاومة ككل.
وأكد الأهالي أن هذه العلاقة المتجذرة لم تتأثر بمحاولات العدو تفكيكها بل ازدادت صلابة مع كل عدوان حيث تتجلى في الدعم المتبادل وفي خطاب واضح يعتبر أن المعركة واحدة وأن الاحتلال هو العدو المشترك، ما يعكس فشل سياسات العزل إذ يعيد كل عدوان إنتاج حالة من التماسك الشعبي عنوانها وحدة المصير وخيار المواجهة المفتوحة مع الاحتلال الإسرائيلي.
المخيمات تُقصف.. لكنها لا تسقط
ما بين القصف والصمود، تفرض هذه المخيمات معادلتها الخاصة: كلما اشتد الاستهداف ازداد التمسك بالبقاء.. وكلما حاول الاحتلال تفكيك بيئتها أعادت إنتاج وحدتها وتماسكها بشكل أكثر صلابة.. وفي قلب المخيمات لا يُقاس الدمار بما يخلّفه القصف من ركام بل بما يعجز عن كسره في إرادة الناس حيث يتحول الصمود من ردّ فعل إلى خيار ثابت ومن حالة طارئة إلى هوية راسخة.
وبينما تتواصل محاولات الاستهداف، يثبت أهالي المخيمات أن هذه المساحات رغم هشاشتها الظاهرة تشكّل نقطة ارتكاز في معادلة المواجهة، وأنها قادرة مرة بعد مرة على تحويل الألم إلى قوة والعدوان إلى عامل يعمّق حضورها بدل أن ينهيه.