في مخيم برج البراجنة في العاصمة اللبنانية بيروت لا تُقرأ الهدنة كخاتمة لمرحلة مؤقتة بقدر ما تُفهم كفاصل هشّ في مسار لم يُحسم بعد.. فالهدوء الذي عاد إلى المكان لا يحمل ملامح الاستقرار بل يبدو امتداداً للتعب المتراكم ومرآةً لقلق لم يغادر وجوه الناس منذ أسابيع.
الناس في المخيم لا تتعامل مع الهدنة كطمأنينة بل كاحتمال مؤقت يمكن أن ينكسر في أي لحظة.. ففي الشوارع الحياة لا تعود دفعة واحدة: محال فتحت أبوابها على استحياء وحركة خفيفة بدأت تتسلل إلى الأزقة لكن الإيقاع العام ما زال ثقيلاً بين خوف لم ينتهِ وانتظار طويل لما ستقرره الأيام المقبلة.
اقتصاد داخلي فرضته الأزمة
خلال تلك الفترة، تغيّر كل شيء تقريباً بشكل واضح.. فإغلاق الأسواق في الضاحية وصعوبة التنقل فرضا على الناس واقعاً قاسياً.
في مقابلة خاصة مع صدى الشتات يشرح أحد أبناء المخيم كيف تبدّلت الحركة الاقتصادية خلال تلك الأيام ويشير إلى أن الناس باتت تعتمد بشكل أساسي على الاكتفاء المحلي، فالناس باتت تشتري من بعضها البعض بشكل أكبر والمحال داخل المخيم تحولت إلى المصدر الأساسي لتأمين الاحتياجات اليومية من الدكان إلى الصيدلية.
هذا الواقع خلق نوعاً من الدورة الاقتصادية الداخلية التي ساعدت الناس على الاستمرار ولو بالحد الأدنى ومع الوقت أصبح هذا النمط ضرورة لا خياراً في ظل إغلاق المحيط.
ويؤكد أحد أصحاب المحلات في المخيم أن دعم أبناء المخيم لبعضهم يجب أن يستمر لأن الأزمة أظهرت أن الاعتماد على الخارج ليس دائماً مضموناً.
التكافل كوسيلة للبقاء
إلى جانب هذا التحول برز التكافل بين الأهالي كأحد أهم عناصر الصمود داخل المخيم، فالناس لم تكن تملك فائضاً لتعطيه لكنها كانت تعطي مما تبقّى. عائلات تقاسمت ما لديها ولو كان قليلاً ومبادرات فردية ظهرت بصمت لتسدّ فراغاً لم يملأه أحد..
ففي المخيم لا تُقاس الأمور بحجم المساعدة بل بتوقيتها، فحين ينفد الطعام وحين يتأخر الدواء وحين يضيق الحال تجد دائماً من يحاول أن يخفف عن غيره حتى لو كان بالكاد يخفف عن نفسه.
أحد الزوار يختصر المشهد بجملة بسيطة: الناس هنا تعيش فوق قدرتها لكنها لا تسقط، فالهم اليومي ليس تفصيلاً عابراً بل هو ضغط مستمر يبدأ من لقمة العيش ويمتد إلى العلاج والاستشفاء ولا يتوقف عند حدود القلق من الغد. ومع ذلك، يحاول الناس أن يحافظوا على تماسكهم ليس لأنهم بخير بل لأن الانهيار ليس خياراً.
واقع معيشي ثقيل وغياب واضح
رغم كل ذلك، تبقى التحديات أكبر من قدرة الناس وحدهم فالبطالة كانت ومازالت من أبرز المشاكل خصوصاً أن نسبة كبيرة من شباب المخيم يعملون بنظام المياومة. مع توقف العمل في ظل الحرب والقصف المستمر توقفت مصادر الدخل ما انعكس مباشرة على حياة العائلات.
هذا الواقع ترافق مع ارتفاع في تكاليف الحياة خاصة في ما يتعلق بالكهرباء والخدمات الأساسية ما جعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً صعباً حتى مع توقف القصف.
وسط هذه الظروف يظهر عتب واضح عند كثير من الأهالي فالحديث يدور عن ضعف الاستجابة وتأخر الدعم وغياب دور فعّال من الجهات المعنية وعلى رأسها وكالة الأونروا. وهذا الشعور لا يأتي فقط من حجم الأزمة، بل من الإحساس بأن المخيم تُرك إلى حد كبير ليواجه مصيره بنفسه في واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها.
محاولة للوقوف من جديد
اليوم ومنذ بدء سريان الهدنة يحاول المخيم أن يعود ليس كما كان بل كما يستطيع.. فالحياة تتحرك ببطء والناس تعود تدريجياً لكن القلق ما زال حاضراً دون ضمانة كافية.
في مخيم برج البراجنة ما بقي بعد الحرب ليس فقط آثارها بل أيضاً صورة واضحة عن قدرة الناس على التكيّف، فالصمود ليس شعاراً بل واقع يومي، والتكافل ليس خياراً بل ضرورة.