في مشهدٍ جسّد أسمى معاني التلاحم الإنساني والأخوة العابرة للحدود، شيّع أهالي مخيم برج الشمالي في جنوب لبنان، بموكبٍ مهيب، الشهيد السوداني عبد الكريم صالح عبد الله موسى وابنته الشابة ازدهار، اللذين ارتقيا جراء غارة إسرائيلية استهدفت مكان إقامتهما في الوردانية جنوب لبنان، ليمتزج الدم السوداني بالتراب اللبناني في مسيرة وداعٍ انطلقت من أزقة المخيم وصولاً إلى المسجد القديم، حيث أمّ الصلاة على الجثمانين وسط تأكيدٍ شعبي على وحدة المصير في مواجهة العدوان الذي لا يفرق بين هوية وأخرى.

وتعود تفاصيل الفاجعة، بحسب ما رواه عبد الله السوداني لصدى الشتات، إلى نهار السبت الماضي حين انقطع الاتصال بعبد الكريم بين الساعة الثالثة والرابعة عصراً، بالتزامن مع غارة عنيفة نفذها طيران الاحتلال على بلدة الرمادية، حيث كان الشهيد قد انتقل للعيش حديثاً قادماً من بلدة الزرارية.

وبعد محاولات مضنية للوصول إلى الموقع بسبب تقطع الطرقات، تبين أن البناية التي يسكنها عبد الكريم مع عائلته قد سويت بالأرض تماماً، مما أدى إلى استشهاده فوراً مع ابنته ازدهار، فيما لا يزال مصير زوجته الإثيوبية الحامل مجهولاً تحت الأنقاض رغم استمرار عمليات البحث والإنقاذ.

وقد حمل هذا الوداع دلالات اجتماعية ووطنية عميقة، حيث أصر أبناء مخيم برج الشمالي ورفاق الشهيد على أن يوارى الثرى في مقبرة المخيم، تكريماً لسنواته الطويلة التي قضاها بينهم كفرد من نسيجهم الاجتماعي ووفاءً لانتمائه الصادق لهذه الأرض التي عاش فيها وكافح فوق ترابها.

ووصف أصدقاء الفقيد الشهيد عبد الكريم بالتزامه الديني وخصاله الحميدة، معتبرين أن احتضان المخيم لجثمانه هو تأكيد على أن عدوان الاحتلال يستهدف الجميع دون تمييز، وأن روابط الصداقة والعمل التي جمعتهم بالشهيد قد تكللت بضمه إلى رفات شهداء المخيم كجزء لا يتجزأ من مجتمعهم الواحد.
