| |

الأونروا في لبنان: من وكالة حماية إلى سلطة عقاب

لم تعد المشكلة في لبنان محصورة في أزمة تمويل تعصف بوكالة الأونروا بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الأزمة وفي العقلية التي تحكم العلاقة مع الموظفين واللاجئين على حد سواء، فبدل أن تتصرف الوكالة بوصفها مؤسسة وُجدت أصلًا لحماية اللاجئين الفلسطينيين وصون الحد الأدنى من حقوقهم الإنسانية والاجتماعية والتعليمية، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى فرض إجراءات قاسية على العاملين فيها حتى في أكثر اللحظات هشاشة واضطرابًا. وتأتي قضية توقيف الأستاذ ماهر الصديق عن العمل لمدة ستة أشهر لتكشف مجددًا أن الإدارة لا تتجه إلى الاحتواء أو الإنصاف بل إلى العقاب والردع.

ما يجري لا يمكن فصله عن مسار كامل من القرارات التي اتخذتها الأونروا في لبنان تحت إدارة دوروثي كلاوس مديرة شؤون الوكالة في لبنان منذ عام 2023.. فمنذ اندلاع الحرب على غزة وامتدادها إلى لبنان لم يظهر من الإدارة ما يوحي بأنها قرأت اللحظة باعتبارها لحظة حماية للموظف والطالب واللاجئ، بل بدا العكس تمامًا: تشدد إداري وتضييق متزايد وقرارات تُقدَّم تحت عنوان “الحياد” فيما تُستقبل داخل المخيمات ومؤسسات الوكالة باعتبارها استهدافًا للموظفين وانتزاعًا تدريجيًا لحقوقهم المعنوية والمهنية.

سجلّ متراكم من القرارات القاسية

صحيح أن الأونروا تملك وفق أنظمتها صلاحية فرض عقوبات تأديبية تصل إلى الوقف عن العمل من دون راتب وأنها تستند إلى إطار تنظيمي يجعل “الحياد” أحد معاييرها الأساسية في تقييم سلوك الموظفين، لكن السؤال هنا ليس فقط هل تملك الوكالة هذا الحق إجرائيًا؟ بل أيضًا كيف تستخدمه وفي أي سياق وبأي أثر سياسي وإنساني لأن الإدارة التي تلجأ إلى أقسى ما لديها من أدوات في زمن الحرب والانهيار ضد موظفين يشكلون أصلًا العمود الفقري لخدماتها تتحمل المسؤولية الكاملة عن تحويل المؤسسة من جهة يفترض أن تحمي مجتمع اللاجئين إلى جهة تضغط عليه من الداخل.

ولذلك فإن ربط ملف العقوبات بملف الخدمات ليس مبالغة بل توصيف واقعي، فالأونروا نفسها خفّضت خدماتها بنحو 20 في المئة في مطلع 2026 بسبب أزمتها المالية وهو ما طال التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية في وقت يعيش فيه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أصلًا على حافة الفقر والتهميش وانعدام البدائل.

إدارة بلا حسّ إنساني

تحت قيادة دوروثي كلاوس في لبنان، يبدو أن الأولوية لم تعد حماية الموظف أو الحفاظ على استقرار العملية التعليمية بل فرض انضباط قاسٍ مهما كانت الكلفة.. وإذا كان ملف الأستاذ ماهر الصديق وغيره من الموظفين الموقوفين عن العمل يعكس هذا المنحى اليوم، فإن ما سبقه يؤكد أننا أمام سياسة ممتدة لا حادثة معزولة..

ففي آذار 2024 أوقفت الأونروا الأستاذ فتح شريف ثلاثة أشهر من دون راتب على خلفية ما قالت إنه مخالفة لقواعد سلوك الموظفين بحجة جمع التبرعات لغزة، قبل أن يُغتال لاحقًا في غارة إسرائيلية في أيلول من العام نفسه. وبعد ذلك فصلت الوكالة أربعة معلمين فلسطينيين في لبنان في حزيران 2025 بعدما ظلوا موقوفين منذ تشرين الثاني 2023. وبين الحرب والاغتيالات والهدنة وتقليص الخدمات، ظل القاسم المشترك واحدًا: يدٌ إدارية مشدودة إلى أقصى حد على الموظفين بدل أن تكون مشدودة إلى واجب الحماية والرعاية.

الأونروا.. من حماية اللاجئ إلى الضغط عليه

المشكلة هنا ليست فقط في القرار، بل في المعنى السياسي والأخلاقي للقرار.. فالأونروا ليست شركة خاصة ولا جهازًا تأديبيًا منفصلًا عن القضية التي وُجدت من أجلها، هي وكالة أُنشئت لتقديم الإغاثة والتشغيل والحماية للاجئين الفلسطينيين ولتمثل في أحد أبعادها شاهدًا دوليًا على استمرار المأساة الفلسطينية..

وعندما تتحول هذه المؤسسة إلى سلطة إدارية تُشهِر الحياد في وجه موظفيها بينما يتعرض اللاجئون للحرب والقتل والحصار والتجويع والاقتلاع، فإن السؤال يصبح مشروعًا أي حياد هذا الذي يُطلب من الضحية أكثر مما يُطلب من العالم الذي يتركها وحدها؟

موضوعات ذات صلة