يوم ثلاثاء النحس في الرابع عشر من نيسان الجاري، انعقدت محادثات مباشرة تمهيداً لما يُسمّى (بهتاناً) «مفاوضات» مباشرة لبنانية – «إسرائيلية»، برعاية واشنطن المنحازة كلياً إلى الصهيونية. وهي محادثات ساقطة من حيث المشروعية أو المُلاءمة، شكلاً ومضموناً وتوقيتاً وكيفيّةً.
اعتباراً من ذاك الثلاثاء الأسوَد، أضحت كل أيام الأسبوع عاراً على جبين لبنان الرسميّ إلى حين عدوله عن خطيئته حتى إشعار آخر. وتنضمّ «الدولة» اللبنانية بذلك إلى قافلة ذلّ معظم الطاقم الرسمي العربي الرجعي. مع الإشارة إلى لعنة تاريخية تلاحق لبنان في هذا الصدد، هي مصادفة الخيانات الوطنية تاريخياً في أيام الثلاثاء: فلقد أعادت إلى أذهان الضمير الجمعيّ اللبناني وذاكرته الجماعية يوم ثلاثاء الاستباحة في 17 أيار 1983، يوم اتفاقها الشهير مع كيان الاحتلال الصهيوني. كما وافق مجلس النواب اللبناني على الاتفاق المشؤوم المذكور ذاته بالأكثرية في يوم ثلاثاء بتاريخ 14 حزيران 1983.
ورغم عدم إلمامي أبداً بعلوم روحانية أو ماورائية كرموز الجفر وأسراره، أو بعلوم اللسانيات وتاريخها، ودون أن أدّعي دقّة علمية في ما سيلي بما أنها خارج اختصاصي، إلا أنني أكتفي بالإشارة إلى الطابع التاريخيّ الرمزيّ ذي البُعد الحربي لمفارقة أيام الثلاثاء تلك: فأصل كلمة Tuesday باللغة الإنكليزية («يوم الثلاثاء») يعود إلى عبارة tiwesdæg بالإنكليزية القديمة. وهو، باللغات الجرمانية واللاتينية الأوروبية تحديداً (وليس بالعربية)، يعود إلى فكرة «يوم إله» الحرب والقانون والعدالة الجرماني Tiw، الذي يُقابل في النظام الروماني كوكب المريخ و«إله» الحرب Mars، بحيث حصل تقابل أو استبدال ثقافي من Tiw’s day إلى Tuesday.
إلا أنّ لعنة أيام الثلاثاء، وما تحمله معها من ذكريات مريرة وحاضر أليم في سجلّ تاريخ جلجلة لبنان وطنياً، لن تعفي سائر أيام الأسبوع ولن تقتصر عليها: بل راحت أخيراً تتغلغل وتتمدّد، مثلها مثل الاستعمار «الاستيطاني» أو الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان وغيرهما، إلى كلّ أيامنا وأسابيعنا لتلاحقنا وتطاردنا كوابيس أمرها الواقع الثقيل يومياً:
فاليوم الخميس تُعقد جولة ثانية وجديدة من المحادثات المباشرة الهابطة والممهّدة مجدّداً لما يُسمّى (ذرّاً للرماد في العيون) «مفاوضات» مباشرة لبنانية – «إسرائيلية»، ودوماً في العاصمة الأميركية الداعمة أساساً لـ«إسرائيل». ويتحتّم أن يصار شعبياً إلى إسقاط عملية المحادثات الراهنة و«المفاوضات» المزعومة، كفعل مقاومة وصمود وممارسة لحق الشعب بتقرير مصيره بنفسه، عوض مصادرته من قبل الاحتلال وداعميه المحليين والإقليميين والدوليين. وإلّا، سيصبح سائر أيام الأسبوع عنوان هوان لبنانيّ بدورها هي أيضاً: لأنّ السلطة اللبنانية تهرول سريعاً انحداراً نحو «مفاوضات» مباشرة مجانية مع العدوّ، في حين أنّها في الواقع إذعان كلّيّ وتامّ له دون أي شروط ودون استعمال أوراق قوة وضغط لبنانية موجودة ألا وهي المقاومة.
كما يُنقل إعلامياً، على الأقلّ، أنّ «الدولة» اللبنانية قد تجنح انبطاحاً إلى درك لقاء رئاسي لبناني بمجرم الحرب الصهيوني المُلاحق قضائياً دولياً: مشهد تلك الولادة المبكرة الشديدة جداً للقيط مسخ الإذعان قد يلوح في الأفق قريباً – على ما يبدو – في البيت الأبيض الأسود، أقلّه وفق «القضاء الترامبي» وهواه الرئاسي الأميركي؟
وبالمناسبة، يقتضي التشديد على أنّ هذا الأخير ليس قدراً أبداً، بل يمكن مواجهته ومقارعته: وما التجربتان الإيرانية واليمنية، وغيرهما ماضياً وحاضراً، سوى أمثلة حديثة حيّة وبطولية وجهادية حقاً على الإمكانية والكيفية والفعالية. فلنسقط، نحن الشعب اللبناني، لعنة ثلاثاءات الاستسلام التاريخية والحاضرة، تحت طائلة وقوعنا تحت نير استعمار متجدّد راهناً ومستقبلاً طيلة أيام الأسبوع والسنين وربّما العقود بحلّة «إسرائيلية»، وبنكهة إمبراطورية أميركية.