قرارات تعسفية للأونروا: توقيف معلّم عن العمل شارك بجنازة!

الكاتبأحمد الحاج علي

أثار توقيف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” معلّماً عن العمل جملة من الاحتجاجات. وجاء التوقيف بذريعة خرق المعلم لقانون الحيادية، المثير للجدل، والذي يُمنع بموجبه موظفو الأونروا من المشاركة بأية فعاليات سياسية، لكن المفارقة أن الفصل جاء على خلفية مشاركة المعلّم بجنازة شهيد فلسطيني.

وفي السياق نفسه، أكدت مصادر متعددة لـ”المدن”، معلومات جرى ثوثيقها، أن الأونروا طلبت من بعض الموظفين المعروفين بانتمائهم إلى فصائل فلسطينية محددة إحضار أوراق تؤكد فصلهم من فصائلهم، لتؤمّن لهم الحماية الوظيفية، وهذا ما حصل، رغم أنهم لم يخرقوا “مبدأ الحيادية”. وينتسب هؤلاء الموظفون لفصائل وطنية ويسارية منخرطة في عملية التسوية. لتتضاعف الخشية من أن يكون الهدف تصفية الانتماء السياسية الشخصية داخل أونروا.

توقيفه عن العمل لمدة ستة أشهر
المعلّم في ثانوية بيسان بمخيم عين الحلوة ماهر الصدّيق، تفاجأ بتوجيه رسالة له من إدارة أونروا، تنص على أنه قد خرق مبدأ الحيادية بمشاركته في جنازة القيادي القسامي محمد شاهين، الذي اغتالته إسرائيل عند حاجز الأولي في مدينة صيدا بطائرة مسيرة إسرائيلية في 17 شباط من العام الماضي. وذكرت هيئة البث الإسرائيلية حينها أن شاهين مسؤول عن توجيه العمليات في الضفة الغربية.

وتضيف رسالة أونروا إن خرق الصدّيق لهذا المبدأ يوجب توقيفه لمدة ستة أشهر بدون راتب، يجري خلالها تحقيق، وإذا ثبتت “التهمة” الموجّهة إليه، فإنه إما يتم فصله، أو طرده، وفي كلا الحالتين، لن يحصل على أي تعويض، لكن يُضاف في الحالة الثانية أنه لن يحصل على شيء من حصته في صندوق التوفير، وهو صندوق لادخار جزء من رواتب موظفي الأونروا.

ويمكن لموظف بدرجة متوسطة، عمل لثلاثة عقود أن يكون نصيبه المالي من صندوقي التعويضات والتوفير ما يقارب 250 ألف دولار. وكان لافتاً أن المعلّم المجمّد عن العمل قد قدّم استقالته قبل فترة، لكن إدارة أونروا رفضت قبول طلب الاستقالة.

تحقيق شفاف وعادل

على الفور، استنكر اتحاد المعلمين في لبنان، الذي ينتسب إليه الصدّيق، القرار “لما يمثله هذا الإجراء من تداعيات قاسية على الصعيدين الإنساني والمهني، ولا سيما في ظل الظروف المعيشية والاقتصادية والأمنية الصعبة التي تمرّ بها البلاد والعاملون فيها”.
وأعلن الاتحاد أنه “يرفض سياسة التوقيف عن العمل ووقف الراتب قبل إجراء تحقيق شفاف ونزيه وعادل، يكفل حق الدفاع ويستند إلى أسس قانونية وإدارية واضحة، بعيدًا عن أي تسرّع في إصدار العقوبات أو الأحكام المسبقة”.

ودعا إلى “التوقف عن العمل في الحصتَين الأخيرتَين للمرحلة الابتدائية، وفي آخر ثلاث حصص للمرحلتَين المتوسطة والثانوية، وذلك تعبيرًا عن رفض هذا الإجراء، وتمسكًا بالعدالة الإدارية وحقوق العاملين، وبما يحفظ وحدة الجسم التعليمي وسلمية التحرك”. وبالفعل شهد عدد من المدارس التابعة لأونروا إضرابات واعتصامات.

ويتلقى حوالى 40 ألف طالب فلسطيني تعليمهم في مدارس أونروا بلبنان، فيما يقارب عدد المعلمين 1500 معلّم، يعملون في 59 مدرسة منتشرة في محافظات لبنان الخمس. فيما بلغ عدد المعلّمين قبل سنوات قليلة 2000 معلّم، حين كان مجموع المدارس 89 مدرسة، في تقليص واضح ومتسارع لعمل أونروا.

منع حرية التعبير

مدير مؤسسة شاهد لحقوق الإنسان، الدكتور محمود حنفي اعتبر أن هذه القرارات “تسلب من من الموظف الشعور بالأمان الوظيفي، وبالتالي تترك تأثيراً سلبياً مباشراً على أدائه في العمل. فلا يُعقل أن يُتخذ إجراء بحق موظف نتيجة مشاركته لبوست أو سيره بتشييع، أو حتى وجوده ضمن فعاليات نقابية. هناك حالة كبت لحرية التعبير بشكل جلي، فضلاً عن أن القرارات التي اتُخذت لا تتناسب مع الجرم إذا صح أن نسمي ما يقوم به الموظفون جرماً”.

أضاف “أونروا تقول إنها تتيح للمتظلّمين حق التقاضي وحق المرافعة، لكن في أكثر الأحيان هي إجراءات شكلية. وما يُلاحظ من التحقيقات التي جرت مع بعض الموظفين أنها تحقيقات تجاوزت الحدث نفسه، لتسأل أسئلة ذات طبيعة غير متصلة بالمخالفة أو الجرم”.

أضاف “لا نستطيع القبول بمحاكمة معلم أو موظف لأنه تلفظ بعبارة مقاومة أو صهيونية أو جريمة إبادة، والقانون الدولي يتيح استخدام هذه المصطلحات، ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية تستخدمان مصطلحات من قبيل جرائم حرب وإبادة وما شابه، ووُصفت إسرائيل بها في القضية المنظورة”.

وختم بالقول “كلنا حريصون على وجود أونروا، لكن لا نريد تفسير الحيادية بطريقة غير موضوعية. نحن كجهة حقوقية نناشد بالتدخل، وأن لا تُترك الأمور لتقدير إداري هنا أو هناك. يجب أن تكون هناك إجراءات تقاضٍ سليمة وحقيقية وجدية”.

الإبلاغ عن انتهاكات الحياد

قانون أو مبدأ الحيادية، أو اتفاقية الإطار، وقّعتها الولايات المتحدة مع أونروا في شهر تموز من عام 2021، لتعيد تمويلها بعد أن جمدت جزءاً كبيراً منه في كانون الثاني 2018. وأبرز ما نص عليه القانون “لا يمكن لأونروا وموظفيها الانحياز إلى أي طرف في الأعمال العدائية، أو الانخراط في خلافات ذات طبيعة سياسية أو عرقية أو دينية أو أيديولوجية (…) وتستخدم الوكالة إطاراً للحياد للإبلاغ بوضوح عن المعايير والممارسات والإجراءات ذات الصلة المطلوبة لضمان اتباع نهج متسق ومتماسك على نطاق الوكالة تجاه الحياد”.

وجرى “الاتفاق على التزام الأونروا بالإبلاغ عن أي انتهاكات جسيمة للحياد مع الولايات المتحدة في الوقت المناسب، ومعالجة أية انتهاكات من هذا القبيل بما يتماشى مع متطلبات إطار الحياد الخاص بها. وتحسين قدرة الوكالة على مراجعة الكتب المدرسية المحلية والمواد التعليمية لضمان الجودة التي تستخدمها لتحديد واتخاذ التدابير لمعالجة أي محتوى يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة في المواد التعليمية”.

ونتيجة هذا الاتفاق، تمت تعديلات واسعة في المضامين التعليمية، وتوقيف عدد من الموظفين في بعض مناطق أونروا الخمس، من بينها لبنان، وتبع ذلك احتجاجات واسعة. ومن اللافت أنه في حرب لبنان الماضية، قامت إسرائيل باغتيال أحد الذين أوقفتهم أونروا عن العمل (فتح شريف)، ولم يثن ذلك الوكالة عن فصل خمسة معلمين آخرين خلال تلك الحرب، الأمر الذي اعتُبر وقتها تهديداً لحياتهم. وتقول أوساط المعلمين إن الأونروا تستثمر الحرب لأن ذلك يكبح المعلمين والموظفين عن الانخراط في احتجاجات واسعة.

 

موضوعات ذات صلة