الثقافة الفلسطينية… حكاية تُحاصَر ولا تُمحى

الكاتبفايز أبو عيد

حين دُعيتُ، منذ في بداية العام الجاري، إلى فعالية أقامها بيت فلسطين للثقافة بمقره في كيا شهير، يوم السبت 10 كانون الثاني/يناير 2026، تحت عنوان “التحديات أمام الثقافة الفلسطينية عام 2026”، ذهبتُ وأنا اعتقد أنني سأقدّم ورقةً وأعود.

قدّمتُ ورقتي عن ” التحديات أمام الإعلام الثقافي الفلسطيني في عام 2026″، ووقفتُ لأقول جملةً واحدة، ثم جلستُ داخلها ولم أخرج منها حتى الآن: ماذا لو اختفى المحتوى الثقافي الفلسطيني من وسائل التواصل الاجتماعي هذه الليلة؟ كم واحدًا منا سيشعر أن جزءًا من ذاكرته قد سُرق، لا ضاع؟

منذ تلك اللحظة، صار السؤال هاجساً لدي، أفكر به بشكل دائم، ينام قرب رأسي، ويوقظني كلما حاولت تجاهله، ليس لأنه سؤال ذكي، بل لأنه سؤال صادق نابع من القلب أكثر مما ينبغي.

الثقافة كفعل بقاء لا يُقال

فالثقافة الفلسطينية برأيي، في جوهرها، ليست ترفًا ولا زينة جدارية، إنها طريقة شعبٍ في البقاء، وهي الصوت حين يُمنع الكلام، والظل حين تُمحى الأجساد من الضوء.

لهذا كانت الثقافة دائمًا قوة ناعمة، لكنها ليست ضعيفة؛ قوة تقاوم محاولات الإبادة التي لم تتوقف منذ أن قرر الاحتلال الإسرائيلي أن الأرض وحدها لا تكفي، وأن عليه أن يرث الحكاية والتراث أيضًا.

فلم يكتفِ بما أخذ، بل حاول أن يُعيد تسمية ما لم يأخذه، فهاجم الذاكرة من أبوابها الهادئة:
في المناهج، حيث تُستبدل الحكاية بحاشية، في الأسماء، حيث تُمحى القرية وتُزرع كلمة أخرى مكانها، في التراث، حيث تُسرق الرقصة، ويُعاد تقديمها بثوبٍ لا يعرف أصحابه.

ومع ذلك، ظلّت الثقافة تفلت من كل تلك المحاولات، وكأنها تعرف طريقًا سريًا لا تراه الخرائط، تخرج من قصيدة، تختبئ في أغنية، تنام في تطريزة، وتُقدَّم في طبقٍ يحمل ذاكرة مكانه، ثم تصحو في حكاية تُروى بلا إذن… حتى حين يُحاوَل انتزاعها من سياقها، أو سرقة اسمها، أو تقديمها بغير وجهها، تبقى تعرف أصحابها، وتعود إليهم.

الحذف الصامت وما لم يُكتب بعد

لكن الخطر الحقيقي اليوم لم يعد صاخبًا كما كان، لم يعد يأتي على هيئة حرق الأرض والمعالم وقصفها، ولا على شكل جرافة أو جندي يقتل بدماء باردة، بل أصبح يأتي خفيفًا… كإشعارٍ لا يصل.

نعم كإشعار لا يصل، كيف ذلك؟ يكفي أن تُصنَّف الحكاية “محتوى حساسًا”، فتُمحى بأدب، لا ضجيج، لا دخان، لا شهود، اختفاء نظيف، كأن شيئًا لم يكن.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ليس لماذا يُحذف ما كُتب، بل لماذا لا يُكتب ما يمكن أن يُحذف؟

الإعلام والواقع الثقافي

في هذا الزمن، لم يعد الإعلام محايد أو يدعي نقل الحقيقة كما هي، بل صار بوابةً لها مزاج، وذاكرةً انتقائية ومن يتحكم بها في الخفاء ويوزع الأدوار.

والثقافة والرواية، حين تكون فلسطينية، تُعامل كضيفٍ ثقيل: يُرحَّب به في البداية، ثم يُطلب منه أن يخفف حضوره، قصيدة تُقصّ لأنها قالت أكثر مما يجب، صورة تُحجب لأنها رأت أكثر مما يُسمح، فيلم يُقيَّد لأنه روى القصة من داخلها، لا من خارجها.

حتى الأشياء الصغيرة، التي كانت تمرّ بلا انتباه—الدبكة، الثوب، أسماء القرى—أصبحت تُفحَص كما لو أنها متهمة.

لكن، ولنكن صريحين، ليس العيب والتحديات والعقبات كلها في الخارج، ففي الداخل تعبٌ قديم تغول وانقسامات، مؤسسات تتنفس بصعوبة، مبادرات تُولد كأنها طارئة، وجهود فردية تُستهلك في إطفاء الحرائق بدل إشعال الضوء، فتصير الثقافة مشروعًا مؤجلًا، أو ردّ فعلٍ دائم.

وفي مكانٍ آخر، تُكتب رواية أخرى بهدوء مريب، تُصاغ بعناية، تُترجم، تُصوَّر، تُقدَّم للعالم بلغةٍ يعرفها، بينما نحن، في كثير من الأحيان، نحكي لأنفسنا، ونكتفي بأننا قلنا، لكن الحكاية، إن لم تخرج، تختنق، وإن اختنقت، ماتت واقفة.

الجمهور والذاكرة

ولهذا، لا يكفي أن ندافع عن الثقافة، كأنها قلعة، علينا أن نعيدها إلى الشارع، إلى الحياة، إلى التفاصيل التي لا تُراقَب: في أغنية تُسمع بلا تصريح، في صورة تُلتقط بلا خوف، في قصة قصيرة تُقال كما تُقال الأشياء الحقيقية: ببساطة.

ومن نافل القول: الذاكرة، إن بقيت رهينة منصة، فهي ذاكرة مؤقتة، فزرّ واحد يكفي ليجعلها ماضيًا بلا أثر، أما إذا سكنت في عقول وأرواح وقلوب الناس، فلن تجد طريقها إلى الحذف.
فالجمهور الذي نعول عليه هنا ليس جمهورًا، هو شريك، أو لا أحد، فكل من يعيد نشر حكاية، أو يحتفظ بها، أو يرويها بطريقته، يضيف لها عمرًا جديدًا.

ما دامت تُروى… لا تنكسر

أعود إلى سؤالي، الذي لم يعد سؤالًا بل اختبارًا خفيًا: لو اختفت الثقافة الفلسطينية الليلة، هل سنبحث عنها؟ أم سنمرّ على غيابها كما نمرّ على خبرٍ عابر؟ ربما الخطر الحقيقي ليس في أن تُحذف الحكاية، بل في أن نتعلّم كيف نعيش بدونها.
في النهاية، ما يُخيف ليس الصورة، ولا القصيدة، ولا المنشور، ما يُخيف حقًا، أن تُروى الثقافة الفلسطينية كما هي: بلا زينة، بلا خوف، بلا إذن… فتصل.

وما دام هناك من يروي، بإصرار الفلاح الذي يشقّ الأرض وهو يعرف أن الحصاد وعدٌ لا يُخلف، وبسخرية فنان الكاريكاتير ناجي العلي الذي يضحك في وجه الخسارة كي لا تنتصر عليه، فإن هذه الحكاية ستظل تجد من يحملها: كما حملها الشاعر محمود درويش حين قال ما يشبه البقاء أكثر مما يشبه الشعر، وكما تركها الروائي غسان كنفاني مفتوحة على سؤالٍ لا يهدأ: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟، وكما مشت بها فدوى طوقان بين الخوف والكرامة دون أن تنكسر، وكما ظلّ سميح القاسم يكتبها كأنها فعل مقاومة يومي.

هكذا، لا تُروى الحكاية بوصفها ماضيًا، بل كاستمرارٍ حيّ، ينتقل من نصّ إلى آخر، ومن صوتٍ إلى صوت، مهما ضاقت المساحة.
وأختم قولي بأن الحكاية، ما دامت تُروى بهذا العناد الهادئ، لن تُهزم؛ ستجد دائمًا طريقها للنجاة، ومهما اشتدّ الحصار والقهر والنكبات، لن تُمحى.

موضوعات ذات صلة