| |

مخيم نهر البارد… ملاذ آمن يؤجّل عودة النازحين

في ظلّ التصعيد الأمني وتفاقم الأوضاع الإنسانية في عدد من المناطق اللبنانية، وجد آلاف النازحين الفلسطينيين واللبنانيين أنفسهم أمام خيارٍ قسري بالبحث عن ملاذ أكثر أمانًا واستقرارًا. وقد برز مخيم نهر البارد في شمال لبنان كوجهةٍ رئيسية لهؤلاء، حيث توفّرت فيه مقومات نسبية من الأمان وانخفاض كلفة المعيشة مقارنة بمناطق النزوح الأخرى. وبين واقع النزوح القاسي وتعقيدات العودة، تتباين دوافع البقاء في المخيم، لتكشف شهادات النازحين عن صورة مركّبة تجمع بين الضرورات الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

هاجس الأمان يتقدّم على قرار العودة

يشكّل عامل الأمان السبب الأبرز لبقاء النازحين في مخيم نهر البارد، في ظل استمرار المخاوف من تدهور الأوضاع في مناطقهم الأصلية. وتوضح النازحة حسنة المحمود (أم حمزة) أن الشعور بالاستقرار الأمني في المخيم يفوق ما كانت تعيشه سابقًا، قائلة: “بصراحة، لا أرغب في العودة حاليًا، بل أفضّل الاستقرار هنا في نهر البارد. نشعر بالأمان، والناس هنا طيبون جدًا.

وتضيف في الجنوب، وخصوصًا في مخيم برج الشمالي، كنا نفتقد للاستقرار خلال الحرب ، إذ إن أي استهداف قريب كان ينعكس مباشرة على داخل المخيم، اصوات القصف مرعبة فضلًا عن أصوات الطيران المسيّر التي كانت تمنعنا من النوم.”

الكلفة المعيشية تدفع نحو البقاء

إلى جانب الأمان، تلعب الظروف الاقتصادية دورًا حاسمًا في اتخاذ قرار البقاء. إذ تشير العديد من العائلات إلى أن كلفة المعيشة في نهر البارد أقل مقارنة ببيروت والجنوب.

وتقول نجاح (أم عدي)، النازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت: “لا نشعر بوجود أمان كافٍ للعودة حتى الآن، لذلك نعتبر أن البقاء هنا هو الخيار الأفضل. المعيشة في نهر البارد تختلف كليًا، فالأسعار أقل بكثير من بيروت، ويمكننا تدبير احتياجاتنا الأساسية بمبلغ محدود نسبيًا، وهو أمر لم يكن ممكنًا في مكان إقامتنا السابق.”

احتضان مجتمعي يعزّز الاستقرار المؤقت

يلعب التضامن الاجتماعي دورًا مهمًا في تخفيف معاناة النازحين، حيث يشيد كثيرون بحسن استقبال سكان المخيم لهم.

وتضيف أم عدي: “أهالي نهر البارد أكرمونا ووقفوا إلى جانبنا، ولم نلقَ منهم إلا كل خير. هذا الدعم المجتمعي يمنحنا شعورًا بالراحة، رغم صعوبة الظروف.”

معوّقات العودة بين الأمن والإجراءات

ورغم الإيجابيات النسبية، لا يخلو الواقع من تحديات، إذ يواجه النازحون صعوبات اقتصادية وإدارية تحول دون عودتهم.

وتوضح أم محمود، النازحة من مخيم شاتيلا:”اخترنا البقاء هنا لأن الوضع أكثر أمانًا مقارنة ببيروت، لكن أوضاعنا المعيشية صعبة جدًا، ولا نشعر بالاستقرار الكامل. لم نعد حتى الآن بسبب غياب الأمان، إضافة إلى عدم توفر تكاليف التنقل، فضلًا عن الإجراءات المشددة على الحواجز، والتي تشكّل عائقًا كبيرًا أمامنا.”

بين الأمان النسبي، وانخفاض تكاليف المعيشة، والتضامن المجتمعي، يجد النازحون في مخيم نهر البارد ملاذًا مؤقتًا يلبّي الحد الأدنى من احتياجاتهم. إلا أن هذا الاستقرار يبقى هشًا، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والإجرائية، ما يجعل قرار العودة مؤجلًا إلى حين توفّر ظروف أكثر أمانًا واستقرارًا في مناطقهم الأصلية.

موضوعات ذات صلة