في أوّل انتخابات فلسطينية تُجرى منذ الحرب على غزّة (2023)، تتضارب الدلالات بسبب تضارب الفواعل السياسية والاعتبارات الاجتماعية على أرضية قلقٍ مصيريّ لا يهدِّد السلطة الفلسطينية فقط، بل يطبع الكلّ الفلسطيني: الشعب والأرض ووقائع حياة الفلسطيني، وأساسيات وجوده وحياته: معاشه، وممتلكاته، وتنقُّلاته، وفي صُلْب احتياجاته الحيوية، في أمانه في بيته وفي بيئته التعليمية وغيرها. وفيما قد ترى السلطة الفلسطينية في هذه الانتخابات فرصةً لاستئناف ما انقطع من مسيرة الإنجاز السياسي العام، ممتدّةً، ولو إلى جزء من قطاع غزّة ممثّلاً بمدينة دير البلح، فإنّها وسط هذا الكم من الاضطراب والتناقضات تكاد تفقد معناها المفترَض، أو تُتّخَذ وسيلةً للتراجع، أو للتحجيم. ذلك أنّ البنية الفلسطينية، السياسية والاجتماعية، لم تتغيّر جوهرياً، فقبل توفير آليات الرقابة الهادفة إلى تحقيق نزاهة عملية الانتخابات، يلزم أن تتكوّن خيارات متنوِّعة أمام الناخب، ويلزم حياد القوى المسيطرة، كما يلزم، اجتماعياً، وعيٌ بهذه الأداة بوصفها وسيلة تغيير، معيار المرشَّحين لها الكفاءة، لا الولاءات العائلية أو العصبيات الحزبية.
وهو ما لا يتحقّق، إذ تسيطر في هذه الانتخابات القوائم ذات اللون السياسي الواحد التي تتبع حركة فتح، في ظلّ مقاطعة غير معلَنة من حركة حماس والجبهتَين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين، لكن مع دعمها قوائم معيّنة. وتحكم هذه الانتخابات ظروف خاصّة، ظرف ما بعد “طوفان الأقصى”، بما ينطوي عليه من إقصاء حركات سياسية وطنية، واشتداد قبضة الاحتلال، وتفاقم نفوذ المستوطنين، وارتفاع وتائر تهديدات المسجد الأقصى، ومحاولات السلطة الفلسطينية للوفاء بالإصلاحات المطلوبة من الدول الغربية المانحة، ومن بينها إجراء هذه الانتخابات، مع حاجة السلطة الماسّة إلى إنعاش اقتصادي ومالي، ما انعكس على شعور الناس بالاستقرار، أو حتى بالحياة العادية، في أدنى مستوياتها، إذ يبرز هنا التساؤل عن أولوية هذه الانتخابات، وما يُناط بها من آمال لمواجهة التحدّيات الخطيرة السابق ذكرها.
وممّا يثقل كاهل هذه الانتخابات متواضعة الشأن، إقحام الشرط السياسي الإكراهي الذي أسهمت في إفرازه مخاضاتُ الصراع مع الاحتلال، نحو مصادرة الرأي السياسي غير المتَّفِق مع منظمة التحرير والتزاماتها الدولية، وأهمُّها اتفاقية أوسلو (1993) التي تعترف بحقّ إسرائيل في الوجود (على الرغم من أنّ هذه الأخيرة لم تعد تُقدِّر هذا الاعتراف، ولا تفي بالتزاماتها تجاهه). ومع ذلك، فإنّ هذا الاشتراط ينسجم مع ما تريده إسرائيل والولايات المتحدة من نبذ أيّ حركة أو فصيل فلسطيني لا يستظلّ بهذا السقف، بل إنّ مشاركة عموم الفلسطينيين في هذه الانتخابات ستكون قبولاً ضمنياً بشرعيته، وبأنّه الأساس لأيّ مزاولة سياسية شعبية مستقبلية، أو شبه سياسية.
وفيما كان التزام “أوسلو” هذا هو التزام منظّمة التحرير، ولم يُلزِم كلّ فصيل على حِدَة باعتراف صريح، فإنّه حالياً يتوسّع ويتأكّد من دون أن تكون له بالضرورة أيّ مترتِّبات في الجانب الآخر. وفي هذا مخالفات دستورية،؛ إذ ينفي حرّية الترشّح، ويمسّ الحقّ في الاختلاف السلمي والمدني. وإذا عدنا إلى الانتخابات نفسها، فكأنّها تُقرّ بتواضع أولويتها؛ فقد استُبعدت منها مدن كُبرى في الضفة الغربية، فلن تشهد مدن رام الله ونابلس وقلقيلية انتخابات، إذ صار اللجوء إلى توافقات وتزكيات أو تعيينات، وواكب هذا شعور بالإنجاز، إذ جُنِّبت هذه المدن “شرور” التنافس الانتخابي، وما قد يبعثه هذا التنافس من مشاحنات ونزاعات، في اعتراف ضمني بمخاطر هذه الأداة الطبيعية، وبما يُفقِد المواطن حقّه، أو يشكِّك في نضجه.
وفيما كانت البلديات والمجالس المحلّية ذات طبيعة خدماتية، تضخّم دورُها لتكاد تكون مختزِلةً الصلاحيات الفلسطينية أو لتغدو بديلاً من السلطة الفلسطينية، مع توجّهات احتلالية إسرائيلية نحو حكم ذاتي يفتقد أيّ أبعاد فلسطينية سياسية مستقبلية. ونحن بين اتجاه يرى اغتنام أيّ فرصة، وسلوك أيّ منفذ، لحفظ الكيان الفلسطيني، وتفعيل حضوره، وتوظيف الانتخابات البلدية والمحلّية رافعةً أو جسراً لترميم ما تآكل من الكيانية السياسية، واتجاه يتمعّن في ما يسمح به الاحتلال من نشاطات، ليكرّس به حدود المستقبل، ولينال من المناعة الفلسطينية الشعبية، من دون أيّ وعد بأثمان مقابلة.
ولم يكن لهذا الاشتراط أن يأخذ مجراه لولا الضغوط الدولية تحت مسمَّى “إصلاح السلطة”، فهو يندرج مع تغييرات اجترحتها السلطة، كالامتناع عن دفع مخصَّصات أُسر الشهداء والأسرى، وأخرى تعمل عليها، نحو تغييرات جوهرية في مناهج التعليم، لتخلو من أيِّ مضمون يُعَدُّ تحريضاً أو إشادةً بالعنف.
ولسنا بحاجة إلى الإفاضة في بيان اختلال الميزان، إذ يجري التشديد على تنفيذ فعلي لكامل المطلوب من السلطة، من دون أن تتّجه تلك الضغوط، في سياسة موحَّدة، ومتزامنة، وبالتلويح بعقوبات فعلية، إلى دولة الاحتلال، لا لتراجعها عن الاستيطان الذي التهم الأرض الفلسطينية، بل على الأقلّ وقف الاستيطان، أو على أقلّ الأقلّ، وقف اعتداءات المستوطنين المنفلتة من أيّ عِقال.
قد يقول قائل إنّه لا أهميةَ كبيرة لمثل هذا الاشتراط السياسي المقحَم في انتخابات بلدية، وهو لا يعدو، عند الفلسطيني العادي، أن يكون إجراءً شكلياً، لكنّ المخاوف هي في أن يُمرَّر في سلوك عملي عام إلى وعي أعمق بالتطبيع الشعبي المُسبَق، عبر تسريبه إلى تفاصيل الحياة العادية. وفي المحصِّلة، تكون هذه الانتخابات قد رسّخت هدفَين يكونان مدخلَين إلى المشهد الفلسطيني المستقبلي: الأول اعتراف شعبي أوسع بإسرائيل، والثاني قبول عملي بإقصاءٍ كلّي لحركات مقاومة فلسطينية، ما يعني إغلاق الخيارات إلا خياراً لم يعد قادراً على التعاطي مع مستوى الهجمة الاحتلالية الشرسة المتسارعة، وهو خيار السلطة.