ألقت الحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان بظلالها القاتمة على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ولا سيما في منطقة صور حيث تفاقمت الأزمات الإنسانية والاجتماعية لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من التعقيد.
فبين مطرقة الاعتداءات العسكرية التي شلت الحركة الاقتصادية وسنديان الأزمة المالية اللبنانية، يجد آلاف اللاجئين أنفسهم في مواجهة مصير مجهول، في ظل تراجع حاد في تقديمات وكالة “الأونروا” وغياب المساعدات المنتظمة، مما جعل واقع المخيمات يعيش حالة من الاستنزاف اليومي الذي طال لقمة العيش والأمن الاجتماعي والخدماتي.
واقع المخيمات يعيش انعكاسات الحرب والأزمات المتراكمة
يرى محمد الشولي مسؤول اللجان الأهلية في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان أن الواقع الميداني الصعب انعكس بشكل مباشر وعميق على عموم المخيمات، وخص بالذكر مخيمات الجنوب التي وجدت نفسها في قلب المواجهة، وأوضح الشولي أن مئات العائلات فقدت مصادر رزقها الوحيدة نتيجة الحرب الدائرة، وهو ما ترافق مع أزمة اقتصادية حادة تمثلت في الارتفاع الجنوني لأسعار السلع والمحروقات، مما جعل تأمين الحاجات الأساسية أمراً شبه مستحيل في ظل انعدام فرص العمل كلياً.
وانتقد الشولي أداء وكالة “الأونروا” متهماً إياها بالتهرب من مسؤولياتها القانونية والإنسانية تجاه اللاجئين في هذا الظرف الحرج، مشيراً إلى أن التدخلات الحالية تقتصر في أغلبها على ما تقدمه بعض المؤسسات والجمعيات الأهلية.
كما أكد أن استثناء فئات واسعة من المساعدات النقدية والخدمات الطارئة ساهم في تعقيد المشهد المعيشي وزيادة حالة الاحتقان والحاجة داخل أزقة المخيمات التي باتت تفتقر لأدنى مقومات الصمود.
وفي سياق متصل، شدد الشولي على أن التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون الفلسطينيون لأهاليهم تركت بصمة إيجابية وخففت جزئياً من حدة الأزمة، إلا أنها لا تشكل حلاً مستداماً، خاصة مع تأخر صرف رواتب مؤسسة أسر الشهداء لأكثر من ستة أشهر.
وطالب الشولي وكالة الأونروا بضرورة إطلاق نداء طوارئ عاجل واعتبار المخيمات مناطق منكوبة، داعياً الجهات الفلسطينية الرسمية للتحرك الفوري والمباشر لإغاثة اللاجئين على كافة المستويات لتدارك الكارثة الإنسانية.
معاناة معقدة وفقدان لمصادر الرزق الأساسية
من جانبه، أكد الباحث الحقوقي حسن السيدة أن مخيمات صور تعيش حالياً واحدة من أعقد فترات المعاناة في تاريخها، حيث تسببت الاعتداءات الإسرائيلية في فقدان العائلات لمصادر رزقها الأساسية بشكل كامل.
وأشار السيدة إلى أن أكثر من 80% من الفلسطينيين في هذه المناطق يعتمدون على العمل المياوم، وهو القطاع الذي شلته الحرب تماماً، مما جعل الغالبية العظمى من العمال دون أي دخل مادي يؤمن قوت يومهم.
واعتبر السيدة أن تقليص خدمات وكالة “الأونروا” في هذا التوقيت بالذات يمثل طعنة في خاصرة اللاجئ، خاصة مع التأخر المستمر في صرف مستحقات ورواتب أسر الشهداء، مما زاد من عمق الفجوة المعيشية.
ولفت الباحث الحقوقي إلى أن العائلات الفلسطينية باتت تعيش في حالة من القلق الدائم نتيجة تراكم الضغوط الاقتصادية وغياب الأفق الواضح للحلول الإغاثية التي تتناسب مع حجم الأزمة الراهنة.
وختم السيدة قراءته للواقع بالإشارة إلى أن “بصيص الأمل” الوحيد المتبقي لهذه العائلات يكمن في التكافل الاجتماعي وما يصلهم من أقاربهم في دول الاغتراب، حيث تشكل هذه التحويلات صمام الأمان الأخير لمنع الانهيار الشامل داخل المخيمات.
كما دعا إلى ضرورة وجود استراتيجية إغاثية وطنية ودولية تتجاوز الحلول المؤقتة لتعزيز صمود اللاجئ الفلسطيني في لبنان أمام هذه التحديات .
بدورها عبرت أوساط فلسطينية عن مخاوفها من الاستمرار في سياسة تقليص الخدمات وتجاهل نداءات الاستغاثة الطارئة التي ستؤدي حتماً إلى كارثة اجتماعية لا يمكن احتواء نتائجها، مما يضع وكالة “الأونروا” والمؤسسات الفلسطينية الرسمية أمام اختبار حقيقي لمسؤولياتها القانونية والسياسية.