| |

التحويلات المالية… شريان الحياة الأخير في مخيم الجليل

حسين منصور- صدى الشتات

في ظلّ الحرب المستمرة في لبنان، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد، باتت التحويلات المالية من الخارج تمثّل شريان الحياة الأخير لأهالي مخيم الجليل في بعلبك. فمع توقّف معظم مصادر الدخل وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، يعيش سكان المخيم على وقع انتظار دائم لحوالة مالية من مغترب، تُمكّنهم من تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ولم تعد هذه التحويلات مجرد دعم إضافي، بل تحوّلت إلى مصدر دخل رئيسي تعتمد عليه غالبية العائلات، في ظل تراجع فرص العمل وانهيار القدرة الشرائية. ويأتي ذلك بالتوازي مع تداعيات الحرب الإقليمية، خاصة التوترات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، ما ساهم في ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغط على الأسر داخل المخيم.

ويُعرف مخيم الجليل بين أبنائه باسم “مخيم الدنمارك”، في إشارة إلى النسبة الكبيرة من أبنائه الذين هاجروا واستقروا هناك. هذه الهجرة الواسعة خلقت نوعًا من الترابط الاقتصادي بين الداخل والخارج، حيث تعتمد كل عائلة تقريبًا على فرد مغترب يمدّها بما يستطيع من المال، في محاولة لتخفيف وطأة الأزمة.

اقتصاد مشلول… وأمل معلّق على الخارج

يؤكد اللاجئ الفلسطيني محمد الساهي أن “نحو 90% من أهالي مخيم الجليل يعتمدون على التحويلات المالية التي يرسلها ذووهم من الخارج، خاصة في ظل توقف الأعمال نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والحرب على لبنان”.

ويضيف: “في السابق، كان المغترب يرسل شهريًا حوالي 200 دولار، وكان هذا المبلغ يكفي لتسيير أمور العائلة بشكل مقبول، أما اليوم، ومع الغلاء الفاحش، لم تعد لهذا المبلغ القيمة نفسها، وأصبح بالكاد يغطي جزءًا بسيطًا من الاحتياجات”.

هذا التحول يعكس حجم التدهور الاقتصادي الذي أصاب المخيم، حيث لم تعد الحوالات كافية لتأمين الاستقرار، بل أصبحت مجرد وسيلة للبقاء.

“مخيم الدنمارك”… هجرة تنقذ الداخل

الهجرة من مخيم الجليل ليست جديدة، لكنها اليوم باتت تشكّل صمّام أمان اقتصادي. فوجود عدد كبير من أبناء المخيم في الخارج، خصوصًا في الدنمارك، ساهم في استمرار تدفق الحوالات، رغم كل التحديات.

هذه العلاقة بين الداخل والمغتربين خلقت اعتمادًا شبه كامل على الخارج، حيث باتت العائلات تربط معيشتها بمواعيد التحويلات، وتبني قراراتها اليومية على أساس وصولها أو تأخرها.

المغترب يتألم… لكنه لا يتوقف

من جانبه، يشير الناشط الشبابي سامر عيسى إلى أن “منطقة بعلبك، ومن ضمنها مخيم الجليل، تُعدّ منطقة منكوبة، خاصة خلال فصل الشتاء، ومع استمرار الحرب على لبنان، يزداد اعتماد الأهالي على الأموال التي يرسلها المغتربون، في ظل تقليص خدمات الأونروا بشكل كبير”.

ويضيف: “المغترب نفسه لم يعد في وضع مريح، فهو يتأثر بالأزمات الاقتصادية العالمية التي تفاقمت مع الحرب، خصوصًا مع تداعيات التوترات الإقليمية، لكنه رغم ذلك يحاول الاستمرار في دعم أهله، ولو بمبالغ أقل”.

تراجع الحوالات يفاقم الأزمة

بدوره، يوضح الصراف علي قدورة أن “الحوالات المالية تراجعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، كما انخفضت حركة تصريف الدولار بنسبة تصل إلى 80%، ما انعكس سلبًا على السوق داخل المخيم”.

ويقول: “أهالي المخيم يعتمدون بشكل كبير على هذه الحوالات، لكن مع تراجعها، تراجعت أيضًا الحركة التجارية، وأصبحت الأسواق شبه راكدة”.

هذا التراجع لا يؤثر فقط على العائلات، بل يمتد إلى مختلف جوانب الحياة الاقتصادية، ما يفاقم من حالة الركود العام.

انتظار ثقيل… وهمّ يومي

في أحد أزقة المخيم، تختصر اللاجئة الفلسطينية نجاة يوسف المشهد بقولها: “نحن نعيش على أمل الحوالة. ننتظرها لنشتري الطعام وندفع ما علينا من التزامات. هي مصدرنا الوحيد”.

وتضيف: “لكن حتى المغتربون تأثروا بالحرب والأزمة، وأصبحوا يعانون من الغلاء والتضخم، وهذا ينعكس علينا مباشرة، لأن ما يرسلوه لم يعد يكفي”.

بين اقتصاد محلي مشلول، ومغترب يواجه تحدياته الخاصة، يبقى أهالي مخيم الجليل عالقين في دائرة الاعتماد على التحويلات المالية، التي رغم تراجعها، لا تزال تمثل الأمل الأخير للبقاء. وفي ظل غياب حلول اقتصادية حقيقية، واستمرار الأزمات، يبدو أن هذا الشريان سيبقى هشًا، لكنه ضروري، في معركة يومية من أجل الحياة.

موضوعات ذات صلة