| | |

عمال بلا عمل.. ومخيمات تُدفع نحو الانهيار

في يوم العمال يقف العامل الفلسطيني في لبنان خارج كل المعادلات: بلا عمل وبلا حماية وبلا جهة تدافع عن حقه في العيش الكريم.. في المخيمات والتجمعات الفلسطينية لا يُحتفل بهذا اليوم بل يُكشَف فيه حجم الانهيار الكبير من حيث البطالة القياسية والاقتصاد المشلول والسياسات التي تدفع باللاجئ أكثر نحو الهامش..

فما يجري اليوم في المخيمات ليس أزمة عابرة بل انهيار متكامل الأركان، والحرب الأخيرة على لبنان سرّعت هذا الانهيار لكنها لم تصنعه من الصفر فهي لم تكتفِ بتعطيل الحياة اليومية بل وجّهت ضربة مباشرة لما تبقّى من اقتصاد هش داخل المخيمات.. فسوق العمل القائم أساسًا على المياومة والوظائف غير المستقرة شُلّ بالكامل تقريبًا وبالتالي آلاف العمال الفلسطينيين فقدوا أعمالهم سواء داخل المخيمات أو خارجها خصوصًا في مدن كانت تتعرض بشكل مستمر للقصف من قبل الاحتلال الاسرائيلي مثل صور وبيروت. وفي ظل هذا الواقع، تحوّلت مئات العائلات إلى أسر بلا دخل تواجه ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.

وبحسب المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) فإن معدلات البطالة في الوسط الفلسطيني في لبنان قفزت لتتجاوز 85% في مطلع عام 2026 وهو رقم يعكس عمق الأزمة لكنه لا يعبّر بالكامل عن حجم الكارثة الاجتماعية المتفاقمة في ظل تراجع المساعدات الإنسانية وعجزها عن تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات.

قيود مزمنة.. ووكالة إلى الانكفاء

لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن الفلسطيني في لبنان لم يكن يومًا جزءًا طبيعيًا من سوق العمل وبالتالي هو لم يدخل هذه الأزمة من موقع متكافئ أصلًا.. فهو منذ عقود محاصر بقوانين وقرارات تمنعه من مزاولة أكثر من 70 مهنة إلى جانب القيود المفروضة على انتسابه إلى عدد كبير من النقابات ما يحصره في قطاعات هشة وغير محمية ويجعله أول المتضررين عند أي أزمة اقتصادية أو أمنية.

في هذا السياق يبرز سؤال جوهري حول دور الأونروا، الوكالة التي أُنشئت أساسًا تحت عنوان “إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين” إلا أنها في لحظة يُفترض أن تكون فيها في ذروة استجابتها تتراجع عمليًا عن جوهر هذا الدور عبر سياسات تقشفية متصاعدة تطال مختلف خدماتها.

فالتقليصات لم تعد محصورة في جانب دون آخر، بل امتدت إلى التعليم والصحة وبرامج الدعم وصولًا إلى تقليص فرص العمل نفسها فضلًا عن فصل موظفينها، ما يطرح تساؤلات جدية حول توجّه الوكالة في هذه المرحلة الحرجة.. وبدل أن تشكّل مظلة حماية يجد اللاجئون أنفسهم أمام واقع يزيد من هشاشتهم الاقتصادية والاجتماعية.

أزمة تتحوّل إلى مسار دائم

وهنا لا يمكن الحديث عن “ظروف” طارئة فقط بل عن سياسات تحاصر اللاجئ ومسار متسارع نحو انهيار معيشي شامل تغذّيه منظومة من القيود القانونية والتراجع المؤسسي وغياب الاستجابة الفعلية.. والنتيجة: لا عمل ولا حماية وولا أفق! وبين سوق عمل مغلق ووكالة تتراجع عن دورها يجد اللاجئ الفلسطيني نفسه في مواجهة ما يشبه “فكّي كماشة” تضغط عليه من كل الجهات بمكان يُمنع فيه العامل من العمل.

ما يعيشه الفلسطيني في لبنان اليوم ليس أزمة مؤقتة بل نموذج صارخ لتهميش مزمن يُدار بصمت.. وصمتٌ كهذا لم يعد حيادًا بل شراكة في الانهيار! ولكن الأهم من كل ذلك أن الفلسطيني في لبنان لا يحتاج إلى شعارات أو بيانات تهنئة في يوم كهذا، بل إلى استعادة حقه الطبيعي في العمل وإلى جهة تتحمّل مسؤولياتها بدل التراجع عنها.. لأنه وفي هذا البلد الذي يُمنع فيه اللاجئ من العمل وتنسحب فيه الجهة المفترض أن توفّر له هذا الحق، لا تعود الأزمة طارئة بل تصبح سياسة.

موضوعات ذات صلة