في العام ١٩٩٥ أعدت قراءة رواية إميل حبيبي ” الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل ” ( ١٩٧٤ ) لأكتب عن صورة اليهودي فيها ، إذ لم أدرسها في رسالة الدكتوراه التي أنجزتها في العام ١٩٩١ ، وهو ما لاحظه ، مستغربا ، مقيم الرسالة الثاني الأستاذ الألماني ( Stefan Wild ) .
نشرت الدراسة أولا ، على حلقات ، في ١٩٩٥ في جريدة ” نابلس ” ثم أرسلتها إلى حبيبي لينشرها في العدد ٧ من ” مشارف ” التي كان يصدرها ( آذار ١٩٩٦ ) ، ففعل ولم يتردد ، علما بأنني كتبت فيها أن بطلها ” سعيد ” يبدو لي أنه إميل حبيبي نفسه ، وأتيت بأدلة من حياة حبيبي تتقاطع وما ورد عن سعيد .
لم تمر ثلاثة أشهر على نشر الدراسة حتى أجرى أحمد رفيق عوض ومنذر عامر وليانة بدر وزكريا محمد مقابلة مع إميل سألوه فيها إن كان هناك أصل واقعي لسعيد ، فأجاب :
” كنت أكذب وأقول في الماضي إن شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي ، ولكنني الآن في عمر لم أعد فيه بحاجة إلى الكذب . لقد كنت أتحدث في ” المتشائل ” ، إلى حد كبير ، عن نفسي ، وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حد ما …. ” .
في قراءتي للرواية في ١٩٩٥ لم أنتبه إلى فقرة مهمة كتبها إميل في تقديمه لكتاب ” الرسائل : محمود درويش و سميح القاسم ” ( ١٩٨٩ / ١٩٩٠ ) حل فيها إشكالية صاحب الرسائل في ” المتشائل ” ، ففي الرسالة يكون هناك مرسل ومرسل إليه ، وفي نهاية المتشائل أبلغنا مستقبلها أنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا . ” ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطيء البحر ” .
بين كتابة المتشائل وكتابة التقديم ١٥ عاما لم يكتشف الدارسون خلالها حقيقة مرسل الرسائل – على الأقل في ضوء ما قرأته من مقالات ودراسات – إلى أن اعترف إميل بالآتي :
” لم يأتني ، في زحمه ” الرسائل ” التي كنت أبعثها إلى ذاتي محاولا التمييز بين القواعد والقعود ، بين الحدود والقيود ، وبين ” فكر النفي ” و” نفي الفكر ” ، أنني لست وحيدا – بل متأخرا وعلى شفا الرسوب – في حمل لواء الانتفاضة الفكرية الشاملة التي تقض ، منذ سنوات ، مضاجع الفكر التقدمي الثوري حتى لم تبق لنا من ” إمام ” سوى ” إمام ” المعري .. ” – أي العقل .
وعندما انتبهت إلى السطر الأول من الفقرة المقتبسة تساءلت : كيف لم ننتبه إلى أخطر سطر كتبه إميل عن المتشائل ” السطر الذي يحل إشكالية صاحبها ، ويجعلنا نوحد بين مرسل الرسالة ومستقبلها ، بين بطلها وكاتبها .
في ٢ / ٩ / ٢٠٢٣ صورت الصفحة ١٦١ من دراسة وسام رفيدي ” المرأة الفلسطينية والرواية بين زمنين ، المقاومة وأوسلو : دراسة في سوسيولوجيا الرواية ” ( دار الفارابي ، ٢٠١٧ ) وسألت القراء عن رأيهم فيما كتبه عن إميل ” الذي اتخذ على الدوام موقفا ، لا نقديا فحسب ، بل وصل إلى حدود العداء لحركة المقاومة ” .
وأشرت إلى خطأ وقع فيه وسام يتعلق بزمن صدور الرواية ( صدرت في ١٩٧٤ لا في ١٩٩٢ ) .
أثار سؤالي جدلا أسهم فيه وسام ذاهبا إلى أن ملاحظاتي شكلية ، وأما أنا فذهبت إلى أن الخلاف هو خلاف في منهج التناول ، فوسام حاكم إميل بناء على مواقفه السياسية ودرس الرواية بناء عليها ، ولم يلتفت إلى معطيات أخرى مهمة لطالما أبدى إميل وجهة نظر فيها وهي الفرق بين كتابته المقال السياسي والنص الأدبي ، وهو ما التفت إليه في ٣١ / ١٢ / ١٩٨٦ حين كتبت في جريدة ” الشعب ” المقدسية مقالا عنوانه ” ملاحظات لدراسة أدب إميل حبيبي ” .
لقد قال بصراحة إنه حين يكتب في السياسة يلتزم بموقف حزبه ، ولكنه حين يريد أن يكتب بصدق يلجأ إلى كتابة الأدب . السياسي يسايس ويناور والأدب لكي يكون جيدا يتطلب الصدق .
ما قاله إميل في المقابلات وما ذهبت إليه هو ما أثاره نقاد الأدب الماركسيون حين درسوا الروائيين ( بلزاك ) و ( فرانز كافكا ) . كان الأول يكتب المقال السياسي ويدافع فيه عن طبقته البرجوازية ، ولكن رواياته كما قرأها الماركسيون كانت تعبر عن مضمون تقدمي يفضح الطبقة البرجوازية ومن داخلها . ولم يكن كافكا ماركسيا ولكن رواياته تفضح المجتمع الرأسمالي وتبين انسحاق الفرد فيه واغترابه عن عالمه . إنها فكرة الرجعي – التقدمي التي لم ترق للنقاد الغربيين البرجوازيين الذين رأوا في تفسير الماركسيين تجنيا على الأدب واغتيالا له .
لا تقتصر إساءة القراءة للمتشائل على اخضاعها لمنهج محدد ، فقد كان أسلوبها ولغتها ومزج الجد بالهزل فيها وشخصية بطلها الذي يميل إلى التباسط والتغابي سببا آخر .
لقد قرأ صالح كناعنة لفظة ” الغريبة ” ” الغربية ” ، وشتان بين اللفظتين ، وجعل بشير أبو منة من دال ” محصية ” – يلفظها اليهود ” مخصية ” – شخصية روائية لا وجود لها في الرواية ، وترجم الألمان عبارة ” كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر ” تفسيرين أحدهما لا يوافق قواعد اللغة العربية – أحمر بمعنى شيوعي ، وأحمر من حمار ، أي أكبر من حمار ، وهذا لا يجوز .
هل اقتصرت إساءة القراءة على نصوص كنفاني وحبيبي أم أن لدرويش نصيبا أيضا ؟
لعله لا بد من كتابة حتى يتضح المغزى من العنوان .