الحرب التي دخلها لبنان مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في مطلع آذار الماضي “خلقت” واقعاً جديداً في لبنان حاول فيه حزب الله كـ “حركة مقاومة” أن يعيد رسم سقف المواجهة الذي كرّسته “إسرائيل” كنتيجة لحرب الإسناد حيث ظلّت تمارس سياسة الاغتيال والاعتداء بعد توقيع وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني/نوفمير 2024، وظلّت تخرق الاتفاق يومياً بحيث بات الحزب ومعه لبنان أسير تفسير ذاك الاتفاق. جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ووجد فيها الحزب فرصة لتغيير المعادلة وسقف المواجهة التي نشأ ما بين 27 تشرين الثاني 2024 و2 آذار 2026، غير أنّ عدم حسم المعركة حتى الآن لصالح أيّ من الطرفين في حرب أميركا – “إسرائيل” – إيران، انعكس أيضاً على لبنان فلم تحسم “إسرائيل” المعركة لصالحها من خلال فرض واقع جديد تقصي فيه حزب الله من المشهد اللبناني، ولم يستطع أيضاً الحزب حسم المعركة لصالحه من خلال تغيير الواقع وسقف المواجهة أو إعادة التوازن أو سياسة الردع التي كانت قائمة قبل 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وهذا بدوره ما دفع لبنان إلى مربع جديد وواقع مستجد اقترح فيه رئيس الجمهورية ومن خلفه الحكومة وأركان الدولة التفاوض المباشر مع “إسرائيل” لوقف آلة القتل ونزيف الدم والمجازر اليومية التي تحوّلت إلى سياسة يومية ارتكبتها قوات الاحتلال على مدار أيّام المواجهة، وقد تجاهلت “إسرائيل” العرض والمقترح اللبناني أولاً، ثمّ عادت وقبلت به بعد ضغوط أمريكية لوقف الحرب في ضوء النتائج التي تمخّضت عنها سواء في الخليج أو في لبنان، وبالتالي فقد وجد لبنان نفسه أمام تحدّ جديد هو التفاوض المباشر مع “إسرائيل” وهو بدوره ما أوجد انقساماً داخلياً جديداً أضيف إلى مجموعة العوامل التي عزّزت الانقسام الداخلي اللبناني.
وفي معرض الحديث عن التفاوض لا بدّ من التذكير بأنّ هناك إجماعاً لبنانياً على مسألة التفاوض، فالجميع يقرّ بمبدأ التفاوض من أجل إنهاء هذه الحرب ووضع حدّ لها، ومن أجل تأمين انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي التي احتلتها، وعودة الأهالي إلى الأراضي والبلدات التي نزحوا عنها، وإعمار القرى التي هدمتها قوات الاحتلال، غير أنّ التباين والخلاف على شكل التفاوض. رئيس الجمهورية ومعه الحكومة والكثير من القوى السياسية والكتل النيابية لا تمانع المفاوضات المباشرة، في مقابل عدم حماسة من رئيس المجلس النيابي لخيار المفاوضات المباشرة بالنظر إلى حجم المعاناة والمجازر التي ارتكبها “الإسرائيلي” في الجنوب، وفي مقابل رفض من قبل حزب الله للمفاوضات المباشرة على اعتبار أنّها تشكّل تنازلاً مجانياً أمام الاحتلال. على كلّ حال، فإنّ مبدأ التفاوض من الجميع غير مرفوض. ما هو محل تباين هو هذا التفاوض يكون مباشراً أو يكون غير مباشر، ولا ينبغي أن يتحوّل هذا التباين في الشكل، على أهمية الشكل التي لا تقلّ أهمية عن المضمون، لا ينبغي أن يتحوّل إلى مادة سجالية وخلافية ونقطة ضعف على طاولة المفاوضات بغض النظر إذا ما كانت مباشرة أو غير مباشرة!.
لا بدّ من الاعتراف أنّ الخيارات أمام الحكومة اللبنانية ليست كثيرة. استمرار الحرب، وهو ما يتمنّاه رئيس حكومة “إسرائيل” لاعتبارات تتعلّق به شخصياً أولاً، وبحكومته ثانياً، ليس في مصلحة لبنان على الإطلاق. فاستمرار الحرب يعني استمرار التطهير العرقي وإزالة معالم الحياة من القرى الجنوبية، اليوم جنوب الليطاني وغداً ربما من شمال الليطاني. الجميع يدرك رغبة “نتنياهو” وفريقه الحاكم بذلك لأنّهم يعتبرون هذه المرحلة فرصة لتغيير معالم الشرق الأوسط، وليس لبنان فحسب، لصالحهم. لذا فإنّ التباين حول مسألة شكل المفاوضات لا ينبغي أن يتحوّل إلى مادة سجالية تتحوّل لاحقاً إلى انقسام وتبادل الاتهامات بالخيانة والتنازل والمغامرة أيضاً.
إنّ التفاوض في هذه المرحلة، وفي ظلّ موازين القوى المحلية والإقليمية التي باتت قائمة حالياً، يمكن القول بات خياراً اضطرارياً، وعليه يجب الإفادة منه وتحويله إلى ساحة مواجهة جديدة مع الاحتلال لتكريس الحقّ اللبناني في الأرض والمياه والسيادة والثروة وغير ذلك. التفاوض يجب أن يُسخّر من أجل استعادة الأرض وتحريرها واستعادة الأسرى وضمان عدم الاعتداءات.
غير أنّ المفاوض لا بدّ أن يكون بين يديه على طاولة المفاوضات عناصر قوّة تساعده على فرض شروطه من ناحية، ورفض شروط الأعداء من ناحية ثانية، وإلاّ بماذا يفاوض؟ وعلى ماذا يفاوض؟! الاحتلال يريد أن يحقّق بالتفاوض ما لم يستطع أن يحقّقه بالحرب، ومن هنا فإنّ طاولة المفاوضات ساحة حرب جديدة من نوع آخر تحتاج إلى مساندة وعناصر قوّة واحتراف في إدارة المعركة، وأنّ أيّ انقسام داخلي يُفقد المفاوض عنصر قوّة ويستفيد منه الطرف المقابل الآخر.
لبنان اليوم بحاجة إلى الجميع، وإلى كلّ الخيارات، وإلى كل الأساليب التي تحفظ الوطن وأهله وسيادته وأرضه وثرواته، والتركيز ينبغي أن يتركّز على النتائج التي يمكن أن تُحصّل أكثر من التركيز على الشكل على أهمية الشكل، والجميع مسؤول أمام هذا التحدّي، فإمّا أن نخرج من هذا التحدّي ونُنقذ بلدنا من أطماع الطامعين، وإمّا أن نسقط جميعاً في مستنقع العناد ونتائجه الكارثية.