وعد بلفور .. الذاكرة النازفة وطوفان الإرادة

في الثاني من شهر تشرين الثاني من كل عام، تحل ذكرى وعد بلفور المشؤوم الذي أصدره جيمس اثر بلفور وزير الخارجية البريطاني عام 1917، في رسالة موجهة منه إلى اللورد روتشيلد أحد زعماء الجالية اليهودية في بريطانيا، يمنح فيها من لا يملك من لا يستحق وعداً بإقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، ومنذ ذلك الوقت والتاريخي يسير على خطى جراح الفلسطينيين وذاكرتهم النازفة بسبب هذا الوعد الذي كان بداية المأساة ومسيرة الكفاح التي سطر فيها الفلسطينيون صفحات مشرقة، وكتبوا السطر الأول في مسيرتهم النضالية، منذ أن منح المحتل الأول وعداً بأوراق الحداد إلى عصابات تخنق الحلم وتذبح بيدها شمس الحقيقة.
وضع وعد بلفور حجر الأساس الأول للمشروع الصهيوني الإستيطاني إستناداً إلى المقولات المزيفة ومن أبرزها أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وكان وعد بلفور بمثابة الخطوة الأولى للغرب الإستعماري على طريق زرع الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، استجابة لرغبات الصهيونية العالمية على حساب شعب متجذر في أرضه منذ آلاف السنين.
وجاء وعد بلفور المشؤوم في سياق الحرب العالمية الأولى وتقاسم القوى الإستعمارية الكبرى المصالح والنفوذ في منطقة الشرق الأوسط، وفي صلب هذا التقاسم والنفوذ تم إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ليكون ثكنة عسكرية متقدمة تخدم مصالح القوى الغربية وسيطرتها على المنطقة.
كانت القصاصة التي اصدرها جيمس آرثر بلفور البداية التي تلاها صدور قرار التقسيم عام 1947 ومن ثم إعلان قيام الكيان الصهيوني في الخامس عشر من ايار عام 1948، ليصبح أول كيان ينشأ على أرض الغير ويحظى بمساندة دولية جعلته يمارس الإرهاب ويرتكب المجازر والتوسع الإستيطاني وصولاً إلى شن الحرب الأعنف والاشرس والأطول في تاريخ الصراع على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وأظهرت هذه الحرب حجم الظلم والمأساة التي بدأت مع وعد بلفور، ومدى قدرة الفلسطينيين على الصمود والمقاومة بمواجهة حرب الإبادة والتهجير وتصفية قضيتهم وحقوقهم المشروعة.
واثبتت غزة درة الصمود والمقاومة بأن المجتمع الفلسطيني سيبقى يقاوم ولن يستسلم، وأن فلسطين ليست للبيع، والتاريخ لا يزور والحق مهما طال عليه الزمن لا يموت.
ولا يعتبر الفلسطينيون في الداخل والشتات إحياء ذكرى وعد بلفور مجرد إستحضار للذكرى بل واجباً سياسياً وفعل مقاومة وتنشيط للذاكرة الوطنية بمواجهة محاولات الإلغاء وطمس الهوية، وتأكيد على أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الماساة لم تنتهي بعد، حيث ما زالت الجريمة التي كان ضحيتها الشعب الفلسطيني ماثلة أمام العالم، وما تزال آثارها تثقل كاهله نتيجة وحشية ودموية الإحتلال الذي يجد من يقدم له الدعم والحماية وغض الطرف عن جرائمه بحق الشعب الفلسطيني الذي لم يتوقف جهاده وكفاحه لإبطال هذا الوعد المشؤوم، مع اليقين بأن فلسطين ستشفى منه عاجلاً أم آجلاً بطوفان يصدح من حناجر أطفال الخيام والمدارس خاصة الذين ولدوا في خضم معركة طوفان الأقصى التي فرضت نفسها كحدث استراتيجي تأسيسي يعيد صياغة معادلات الصراع الطويل والمستمر منذ وعد بلفور وصولاً إلى معركة طوفان الأقصى التي ستبقى في ذاكرة الأجيال فعلاً مقاوماً مبدعاً وعلامة فارقة وحدثاً تاريخياً من خارج التوقع والنمطية في الصراع مع الإحتلال، وتأكيد لا لبس فيه على أن المقاومة ليست خياراً سياسياً يمكن التفاوض عليه، بل هي تعبر عن إرادة وقدر شعب يناضل من أجل الحرية والإستقلال.
حمزة البشتاوي
كاتب وإعلامي

موضوعات ذات صلة