من قلب المأساة يولد الأمل، ومن بين ركام المعاناة تنبعث أرواحٌ تأبى الانكسار، لتسطر أروع قصص الصمود والتحدي، ففي مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين شمال لبنان حيث تضيق الأزقة وتتسع الآمال، يثبت الجيل الفلسطيني يوماً بعد يوم أن إرادته عصية على المحو، وأن تمسكه بالقرآن الكريم هو سلاحه الأقوى في وجه عواصف اللجوء والمعاناة، محولاً ألم الغربة إلى طاقة إبداعٍ ونور.
وفي أجواء مفعمة بهذا الإيمان شهد المخيم يوماً استثنائياً تزيّن بنور الذكر الحكيم، حيث احتفت أكاديمية القرآن الكريم بتخريج 13 حافظة جديدة لكتاب الله تعالى ضمن الدفعة الثانية بعد أن خرج العام الماضي ١٧ حافظة.
يأتي هذا الإنجاز كوفاءٍ حيّ لإرث الشهيد وسيم العلي وزوجته الشهيدة زينب أبو الحجل، اللذين كان لهما الفضل في الإشراف على هذا الصرح القرآني المبارك، ليؤكد أن غرس الشهداء لا يموت بل يزهر في صدور الحافظات.
وقد انطلق “موكب النور” من حي خليل الرحمن ليجوب شوارع المخيم في تظاهرة إيمانية كبرى، حيث ازدانت قوافل السيارات بملصقات تحمل أسماء الخريجات اللواتي أتممن حفظ كتاب الله كاملاً وسط ترحيب شعبي واسع، استذكر الأهالي بامتنان جهود المؤسسين الراحلين، معتبرين أن هذه الكوكبة هي الثمرة الطيبة لغرسٍ سُقي بالتضحية، وبرهاناً على أن مسيرة القرآن لا تتوقف مهما بلغت التضحيات.
تخلل الموكب بث الأناشيد الروحانية التي أضفت طابعاً من البهجة والسكينة على أرجاء المخيم، بينما اصطف المارة لمباركة هذا العرس القرآني الذي يعكس ثبات الأجيال وتمسكها بهويتها.
هكذا بقي مخيم البداوي بيئة حاضنة للقيم، ومصنعاً للأجيال التي تتخذ من القرآن دليلاً، ولتظل هذه الكوكبة منارة تضيء طريق العزة والكرامة، وتعلن للعالم أن شعباً يحفظ القرآن في قلوبه هو شعبٌ لا يُهزم.