على الطريق الساحلي الممتد جنوب مدينة صور يبدو تجمع القاسمية للاجئين الفلسطينيين أقل حضوراً من المخيمات الفلسطينية الكبرى في لبنان رغم أنه يحمل وجهاً مكثفاً لأزمة اللجوء الفلسطيني بكل تعقيداتها.. فهناك لا يعيش الناس فقط تحت وطأة التهميش بل داخل حالة طويلة من الانتظار المفتوح حيث يتحول الوقت نفسه إلى عبء يومي ثقيل وتصبح فكرة المستقبل أقرب إلى احتمال مؤجل منه إلى واقع يمكن البناء عليه.
القاسمية لم يتحول يوماً إلى مخيم مكتمل الاعتراف أو الخدمات بل بقي تجمعاً هشاً على هامش الاعتراف الرسمي يعيش سكانه داخل مساحة رمادية قانونياً وخدماتياً فيما تتراكم الأزمات عاماً بعد آخر من دون أي حلول فعلية.
هجرة تتسارع بصمت
لكن ما يلفت الانتباه اليوم داخل التجمع ليس فقط الواقع المعيشي القاسي بل التحول الاجتماعي الهادئ الذي يضرب بنيته من الداخل مع تسارع وتيرة هجرة الشباب خلال العامين الأخيرين بشكل غير مسبوق حتى بات الغياب جزءاً من المشهد اليومي داخل القاسمية.
في الأزقة الضيقة للتجمع لم يعد السكان يتحدثون عن أسماء الذين يستعدون للهجرة بل عن أسماء الذين غادروا بالفعل.. كثير من البيوت باتت تعتمد على اتصال هاتفي يأتي من أوروبا أكثر مما تعتمد على وجود أبنائها داخل المخيم، فيما تحولت الحوالات المالية القادمة من الخارج إلى شريان اقتصادي أساسي تعتمد عليه عشرات العائلات.
شهادة من داخل القاسمية
وفي مقابلة خاصة مع “صدى الشتات” يقول أحد شباب التجمع إن الهجرة لم تعد بالنسبة إلى شباب القاسمية فكرة مرتبطة بالطموح أو تحسين الظروف فقط بل أصبحت مرتبطة بمحاولة النجاة من واقع مغلق بالكامل.
ويضيف أن العامين الماضيين شهدا مغادرة أعداد كبيرة من شباب التجمع فيما يعيش من تبقى حالة انتظار دائمة للفرصة المناسبة للرحيل، مشيراً إلى أن التوتر الأمني المستمر في جنوب لبنان والتهديدات المتكررة التي طالت المنطقة خلال الحرب إضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار كلها عوامل دفعت كثيرين إلى اتخاذ قرار المغادرة.
ويتابع أن الوضع الاقتصادي داخل القاسمية لم يعد يسمح للشباب ببناء أي مستقبل في ظل اعتماد غالبية السكان على العمل الزراعي داخل البساتين المحيطة بأجور يومية لا تتجاوز عشرة دولارات وهي مبالغ بالكاد تكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
ولا يتوقف الأمر عند الضيق الاقتصادي، بل يمتد إلى التعقيدات القانونية التي يعيشها الفلسطيني داخل التجمع حيث يواجه صعوبة في بناء منزله أو توسيع مسكنه فيما تلاحق بعض الحالات قانونياً الأمر الذي يعمق شعور الشباب بأنهم يعيشون داخل مساحة مؤقتة حتى بعد مرور عقود طويلة على اللجوء.
ويشير الشاب إلى أن معظم من يغادرون القاسمية يتجهون نحو ألمانيا بسبب وجود أقارب سبقوهم إليها منذ عقود ما يجعل خيار الهجرة أكثر قابلية للتحقق، خصوصاً في ظل غياب أي أفق حقيقي داخل لبنان.
حين يصبح الرحيل خياراً وحيداً
داخل القاسمية، لا تبدو الهجرة حدثاً منفصلاً عن بقية تفاصيل الحياة بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التهميش والتضييق وانعدام الاستقرار.. فالشباب الذين يغادرون اليوم لا يتركون خلفهم فقط فراغاً عائلياً بل فجوة اجتماعية تتسع تدريجياً داخل التجمع حيث تتراجع الحيوية اليومية وتضعف المبادرات المحلية ويغيب الجيل الأكثر قدرة على العمل والتغيير.
والمفارقة القاسية أن القاسمية فيما يفرغ تدريجياً من شبابه بات يعتمد اقتصادياً عليهم أكثر من أي وقت مضى.. فمع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر تحولت الحوالات المالية القادمة من الخارج إلى عصب الحياة داخل التجمع وباتت عشرات العائلات تعيش على الأموال التي يرسلها أبناؤها من أوروبا. وهنا لا تبدو الهجرة مجرد غياب اجتماعي أو خسارة إنسانية بل وسيلة بقاء فعلية لعائلات كاملة حتى بات سكان القاسمية يرددون بمرارة حقيقة تختصر واقعهم اليوم: كلما غادر شاب.. نجا بيت.
ورغم ذلك لا يبدو أن هذا الواقع يحضر بشكل جدي في النقاشات المرتبطة بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إذ يبقى تجمع القاسمية خارج دائرة الاهتمام الفعلي سواء على مستوى الخدمات أو المعالجات السياسية والاجتماعية.. واليوم لا يطرح سكان القاسمية سؤالاً حول أسباب هجرة الشباب بقدر ما يطرحون سؤالاً أكثر قسوة: ماذا بقي للشباب أساساً كي يدفعهم إلى البقاء؟ في مكان يعيش فيه اللاجئ تحت ضغط أمني واقتصادي وقانوني مستمر تبدو الهجرة بالنسبة إلى كثيرين الخيار الوحيد الممكن حتى لو كانت محفوفة بالمخاطر.