تقرير : فاديا منصور- صدى الشتات
في مخيم نهر البارد شمالي لبنان، لم تحمل الأحياء أسماءً عشوائية، بل حملت أسماء القرى والمدن الفلسطينية التي هُجّر منها اللاجئون عام 1948، لتبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية للأهالي والأجيال المتعاقبة.
فمن “حي صفورية” و”حي سعسع” إلى “الدامون” و”السموعي” و”البروة” وغيرها من القرى الفلسطينية، تحوّلت أسماء الأحياء إلى رواية يومية تختصر حكاية اللجوء والتمسك بالهوية الفلسطينية.

ورغم عقود اللجوء والتهجير، ما يزال أبناء المخيم يحافظون على هذه التسميات بوصفها جزءًا من ذاكرتهم الوطنية، وكأن التجوّل في أحياء نهر البارد يشبه السير داخل خريطة فلسطينية مصغّرة، رسمها اللاجئون بأسماء قراهم وتمسّكوا بها كحقٍ لا يسقط مع الزمن.
“حي سعسع”… اسمٌ يحفظ حكاية القرية
يقول اللاجئ الفلسطيني عماد عبدالعال، من قرية سعسع الفلسطينية، إن الحي الذي يسكنه حمل اسم القرية الأصلية التي هُجّر منها الأهالي، مؤكدًا أن سعسع كانت معروفة بالمحبة والكرم والأخلاق بين أهلها.
ويشير إلى أن أبناء الحي لا يزالون متمسكين بالبقاء فيه حفاظًا على اسم القرية وذكراها، مضيفًا أن أبناء سعسع قدّموا شهداء دفاعًا عن فلسطين ولبنان وغزة.

الدامون… قريةٌ ما زالت حيّة في الذاكرة
من جهته، يستعيد اللاجئ الفلسطيني مصطفى لوباني، من قرية الدامون قضاء عكا، تفاصيل قريته التي هجّر أهلها عام 1948، لافتًا إلى أن القرية دُمّرت بالكامل، وأقيم على أرضها لاحقًا “سجن الدامون” الذي يُحتجز فيه أسرى فلسطينيون.
ويؤكد لوباني أن الدامون كانت تضم عائلات مسلمة ومسيحية، وعُرفت بحرفها التقليدية، لا سيما صناعة الحصر والقش والمكانس اليدوية، وهي مهن توارثها الأهالي قبل أن تندثر بفعل التطور والتغيرات الاقتصادية.
كما يوضح أن تسمية الأحياء والمدارس داخل المخيمات بأسماء المدن والقرى الفلسطينية، مثل غزة واللد والناصرة وصفورية والبروة، تشكّل وسيلة للحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال الجديدة بأصولها الفلسطينية، مؤكدًا أن الفلسطينيين ما زالوا يعتبرون وجودهم في المخيمات مؤقتًا بانتظار العودة إلى وطنهم.

ويستذكر أيضًا ما كانت ترويه الجدّات عن خيرات فلسطين، من الحمضيات والزيتون والسمسم، مشددًا على أن تلك الحكايات بقيت حيّة في وجدان اللاجئين رغم مرور العقود.
“حارة السموعي”… روابط اجتماعية متوارثة
أما الحاجة صباح، اللاجئة الفلسطينية من قرية السموعي، فتؤكد أن أبناء القرية استقروا منذ وصولهم إلى لبنان في منطقة واحدة داخل المخيم، حيث حافظوا على عاداتهم وروابطهم الاجتماعية عبر الأجيال.
وتوضح أن المنطقة التي أصبحت تُعرف بـ”حارة السموعي” كانت في بداياتها أرضًا قاحلة، قبل أن يعمل الأهالي على إعمارها وبناء منازلهم فيها، لتتحول مع الوقت إلى حي يحمل اسم قريتهم الأصلية ويختزن ذاكرتها.
وتُعد “حارة السموعي” نموذجًا لتمسك اللاجئين الفلسطينيين بأسماء قراهم الأصلية، والحفاظ على الهوية والعادات الاجتماعية رغم سنوات اللجوء الطويلة.

أسماء الأحياء… رسالة للأجيال الجديدة
بدوره، يقول الشاب الفلسطيني حسين قاسم، من قرية صفورية، إن اللاجئين الفلسطينيين عندما وصلوا إلى المخيمات بعد النكبة، تجمّع أبناء كل قرية في منطقة واحدة، وأطلقوا على الأحياء أسماء قراهم الأصلية.
ويعتبر أن استمرار هذه التسميات حتى اليوم يعكس تمسّك الفلسطينيين بأرضهم وهويتهم الوطنية، مؤكدًا أن حب فلسطين والدفاع عنها بقي “أمانة تتوارثها الأجيال”.
وبين الأزقة الضيقة لمخيم نهر البارد، لا تزال أسماء الأحياء تختصر حكاية وطنٍ لم يغب عن ذاكرة أهله.
فكل اسمٍ على جدار أو حارة يحمل رواية قرية فلسطينية هجّر أهلها، لكنه بقي شاهدًا على تمسّك اللاجئين بحقهم في العودة، وإصرارهم على إبقاء فلسطين حيّة في تفاصيل حياتهم اليومية، جيلاً بعد جيل.
